.:: منتدى صالات كاراتيه العرب لفنون القتال والدفاع عن النفس ::.
العودة   صالات كاراتيه العرب > بعيداً عن فنون القتال > الاستراحة الترفيهية والمعلومات الثقافية
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 28th December 2003, 12:31 AM
 
Triple Power
لاعب نشيط
  Triple Power غير متواجد حالياً
تاريخ التسجيل: December Dec 2003
المشاركات: 60
شخصيات القرن العشرين

بسم الله ..


هذه السلسلة من الدراسات الموجزة أعدت لمناسبة انتهاء القرن العشرين
ونشرت في "الشرق" الأسترالية حسب التواريخ المشار اليها

....


جان بول سارتر..
مؤلفات جان بول سارتر:

هذه لائحة بأشهر أعمال سارتر مع تاريخ نشر كل منها للمرة الأولى:
المخيلة 1936
الغثيان 1938
الحائط 1938 (فيلم سينمائي)
صورة نظرية العواطف 1939
الخيالي 1940
الكون والعدم 1943
الذباب 1943
لا مخرَج 1943 (فيلم سينمائي)
عصر العقل 1945
التنفيس 1945
الوجودية إنسانية 1946
بودلير 1947
ما هو الأدب؟ 1948
الأيادي القذرة 1948
موت الروح 1949
الله الطيب والشيطان 1951
كوميدي وشهيد 1952
نكروزوف 1956
الخاسر بربح 1959
نقد الفكر الجدلي 1960 و 1963
الكلمات 1964
أحمق العائلة 1971 - 1972 (4 أجزاء)
وفي فترة السبعينات والثمانينات أعيد نشر معظم كتب سارتر ودراساته الفلسفية.





رغم شهرته كفيلسوف وأديب وكاتب مسرحي وسينمائي وناقد اجتماعي، فان أبرز ما يميز جان بول سارتر هو طرحه لنظرية "الوجودية"، وارتباطهما بشكل كامل لا انفصام فيه، كأنهما وجهان لعملة واحدة. فالوجودية هي جان بول سارتر وجان بول سارتر هو الوجودية.
وهذه الفلسفة تقوم أساسا على نظرة إلى الإنسان الفرد الذي ترى ان "وجوده" هو أهم صفاته ، وانه غاية بذاته، ولا أهداف "ماورائية" لوجوده، بل هو الذي يحدد أهدافه بنفسه. وتؤكد من جهة أخرى ان حرية الإنسان مطلقة ولا حدود لها.
ولكن سارتر في كتاباته المتأخرة تأثر بماركس وحاول ان يخلق نوعا من الفردية "الاجتماعية"، التي وان كانت لا تذوب في المجتمع، فانها لا تسعى إلى الانفصال عنه.
ولد جان بول سارتر في مدينة باريس في 21 حزيران 1905. وقد توفي والده، وكان موظفا بحريا، وهو لا يزال صغيراـ فتعهدته والدته آن ماري شوايتزر، وأدخلته "ليسيه لويس الكبير"، ومنها انتقل إلى دار المعلمين العليا وتخرج عام 1929، وبدأ في ممارسة التعليم حتى عام 1945. وكان يغتنم فرصة العطلة الصيفية ليزور بلدانا كإيطاليا ومصر واليونان مطلعا على حضاراتها القديمة، ومهتما بفلسفاتها.
أثناء دراسته في دار المعلمين التقى سارتر بالأديبة الفرنسية سيمون دو بوفوار،وصارا صديقين، ثم تطورت العلاقة بينهما فـ"تساكنا" طوال حياتهما تقريبا، ولكن من دون عقد زواج مسجل.
منذ بداية الثلاثينات جمع سارتر عددا من المعجبين بآرائه، وكانوا يلتقون في مقهى "الضفة اليسارية" على نهر السين ليتناقشوا أمور الفلسفة والأدب والفنون، حيث راح سارتر يكوّن معظم الأفكار التي ستتشكل منها فلسفته فيما بعد.
التحق سارتر بالجيش الفرنسي عام 1939، عند نشوب الحرب العالمية الثانية. وقد اعتقلته القوات الألمانية في العام التالي وسجنته في ألمانيا. ولكنه تمكن من الفرار من المعتقل ثم التحق بالمقاومة الوطنية في باريس، وصار يكتب في صحف ومجلات المقاومة.
بعد الحرب أسس سارتر مجلته الشهيرة "الأزمنة الحديثة" وترك التعليم مخصصا وقته كله للكتابة والنشاطات السياسية.
صارت مجلة "الأزمنة الحديثة" المنبر الأعلى في العالم لنشر الفكر اليساري التقدمي. ولكن سارتر لم يكن منتسبا إلى الحزب الشيوعي. وعندما بدأ صديقه الحميم ألبير كامو، المؤمن بالوجودية أيضا، ينتقد التصرفات الستالينية بعنف، بقي سارتر مترددا كثيرا في تأييد ذلك.

تطور الفلسفة الوجودية

تأثر سارتر بالفيلسوفين ادموند هاسلر ومارتن هيديغار في تطوير فلسفته الخاصة "الوجودية"، كتحليل لوعي الإنسان الذاتي لعلاقته مع الكون. وفي الثلاثينات كتب عددا من الدراسات عالج فيها مسائل الخيال والعاطفة، وتوجها بعمله الفلسفي الكبير "الكون والعدم" (1943).
يقدم هذا الكتاب هيكلية فلسفية رائعة للشعور الجامح بعدم الرضى الذي ساد أوروبا بعد الحربين العالميتين. وفكرة الكتاب المركزية هي التعارض بين الأشياء الموضوعية والوعي الإنساني، من حيث ان الوعي، وهو ليس "شيئا"، يبدو وكأن حقيقته هي الوقوف بعيدا عن الأشياء الموضوعية واتخاذ موقف منها. وبما ان الوعي ليس "شيئا"، فانه لا يتورط دائما في الأشياء كما تتورط هي وتتداخل فيما بينها. وهذا يعني ان الوعي، وبالتالي البشر أنفسهم هم أساسا أحرار، وان أية محاولة من أي كائن أو أية نظرية فلسفية لتصويرهم على غير هذا النحو لا تعدو كونها تصورا شخصيا أو "إيمانا رديئا".
ومما يثير السخرية ان حرية الوعي البشري تصور وكأنها "عبء" عليه، أو كأنه "محكوم" بأن يكون حرا. وهذا ما يجعل "المشاريع" الإنسانية تواجه مهمة مستحيلة وهي ان تكون "واعية وحرة". كالإنسان الذي يريد ان يكون مثقفا أو والدا أو ان يلعب أي دور في المجتمع. وحيث ان استحالة خلق "أشياء واعية" هي حسب تعبير سارتر "بنفسها لنفسها"، فإنها لا تمنع البشر من الخضوع لإغرائها ومحاولة تحقيق تلك المشاريع. ما يجعل الإنسان "عاطفة لا نفع لها" على حد تعبيره.
في اعتقاد سارتر ان على الإنسان ان يكون هو نفسه حرا، وان يحدد لنفسه هدفا ويسعى إلى تحقيقه، إذ لا أهداف ماورائية لوجوده، بل ما يحدده هو لنفسه. وفي بداية كتاباته وصل سارتر بفرديته إلى حد القول على لسان بطل فيلمه السينمائي "لا مخرج": " الجحيم هو الآخرون"(1944) .
المقصود طبعا كان التأكيد على ان علاقات الفرد، مهما كان نوعها، من أسرية أو مهنية أو اجتماعية، تحد من حريته المطلقة، وتكون الطامة الكبرى عندما يحمل هؤلاء "الآخرون" إرثا من الآراء والأفكار السلفية أو مجموعة من الأحكام المسبقة على ما هو صالح وشرير أو ما يجوز أو لا يجوز، فان باستطاعتهم عندئذ تحويل حياة ذلك الفرد إلى "جحيم" حقيقي.
ولكن كتاباته الأخيرة أظهرت تراجعا ملحوظا عن هذه الفردية الشديدة لمصلحة نوع من الفردية المميزة التي لا تتخلى عن أهداف مجتمعها فيما هي تعمل لتحقيق أهدافها الخاصة.

نشاطات سياسية وإنسانية

عام 1956 عارض سارتر ومجلته الأزمنة الحديثة التدخل السوفياتي في المجر، وكذلك أحداث تشيكوسلوفاكيا عام 1968. وفي عام 1967 ترأس المحكمة الدولية لجرائم الحرب التي أقامها الفيلسوف والمؤرخ برتراند راسل للنظر في سلوك الجيش الأميركي في فييتنام. ثم صار من أكبر معارضي الحرب في فييتنام والداعين إلى وقفها. كما ساند ثورة الطلاب في فرنسا عام 1968.
في الستينات عمل سارتر على مجموعة ضخمة من أربعة أجزاء أسماها "أحمق العائلة"، وهي تتناول سيرة حياة الأديب الفرنسي غوستاف فلوبير، ومن خلالها عرض بعض آرائه الجديدة النتأثرة بالفكر الماركسي والفكر الفرويدي أيضا.
فقد سارتر بصره في نهاية عمره ثم مات بعد إصابته بمرض في الرئتين عام 1980.

--------

لينين

لينين في سطور

1870 ولد لينين في سيمبيرسك، روسيا (22 نيسان).
1897 نفي الى سيبيريا بسبب نشاطاته السياسية.
1898 تزوج من ناديا كروبسكايا (22 تموز) .
1900 عاد من المنفى ثم ارتحل الى أوروبا الغربية.
1903 أصبح زعيم البلاشفة.
1905 عاد الى روسيا واستأنف نشاطاته الثورية.
1908 ـ 1917 غادر روسيا مجددا، وقاد أنشطة
الثوار البلاشفة من خارج الحدود.
1917 أصبح حاكم روسيا السوفياتية (8 تشرين
الثاني).
1918 تعرض لمحاولة اغتيال، فاصيب في عنقه،
لكنه نجا من الموت.
1918 ـ 1921 قاد البلاشفة خلال الحرب الأهلية
الروسية.
1921 أعلن "السياسة الإقتصادية الجديدة"، منتزعا
اعتراف الدول الأوروبية التي كانت قاطعت
الدولة الفتية منذ العام 1919.
1922 أخضع لعملية جراحية لإخراج الرصاصة التي بقيت في عنقه منذ محاولة اغتياله. ولكن صحته لم تتحسن، بل أصيب بعدة نوبات دماغية.
1924 وافته المنية بعد نوبة قاضية في مدينة غوركي بالقرب من موسكو (21 كانون الثاني)




لا يوجد خلاف بين الباحثين السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين على أن الاشتراكية هي من أهم خصوصيات القرن العشرين، ففيه بدأت ، وفيه عاشت على مدى سبعين سنة، وفيه انتـــــهت أيضا (الى غير رجعة بحسب البعض، أو لكي تستعيد أنفاسها وتعود أقوى وأنضج بحسب البعض الآخر).

بدأت في سهول روسيا الجليدية، وامتدت إلى سائر المقاطعات المجاورة، ثم إلى الدول القريبة، وأحيانا البعيدة. ومن المفارقات أنها عندما انهارت، وفي روسيا حيث بدأت بالتحديد، ثم في أوروبا الشرقية، حافظت عليها البلدان البعيدة نسبيا (كالصين) وفعليا (ككوبا وفيتنام وكوريا الشمالية).

أثرت الاشتراكية في الدول التي اعتمدتها إلى حد بعيد، وكانت التغيرات الناجمة عنها جذرية في غالب الأحيان، وشملت السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية والعلوم والفنون وحتى الرياضة.

والاتحاد السوفياتي (السابق) أوضح دليل على ذلك. ففي بداية القرن كانت روسيا والمقاطعات التابعة لها تحت حكم القياصرة تعاني الفقر والجوع والبطالة واستفحال الأمراض. كانت الأراضي الشاسعة ملكية للقيصر وأسرته الحاكمة، وكان الشعب يطالب بالسماح له بزراعة الأرض والعناية بها لقاء قسم بسيط من المحصول وتوفيرا للقمة العيش، ولكن من دون جدوى.

ولكن خلال اقل من أربعين عاما من الحكم الاشتراكي انقلبت الأمور رأسا على عقب. ( للمقارنة فقط: إن الحرب اللبنانية باتت في سنتها الخامسة والعشرين اليوم).

أكبر مكتبة في العالم هي مكتبة لينين في موسكو. أعظم فرقة لرقص الباليه هي فرقة البولشوي الروسية. أول إنسان طار إلى الفضاء بمركبة كان يوري غاغارين السوفياتي، وأول انسان حلق خارج مركبته الفضائية كان سوفياتيا أيضا.

امتلكوا القنابل الذرية والهيدروجينية، ولكنهم ـ على دكتاتوريتهم ـ لم يسمحوا لأنفسهم باستخدامها، بل تركوا "شرف" ذلك للأميركان الديمقراطيين الأحرار.

نافسوا كل دول العالم في مجالات الطب والهندسة والفيزياء والكيمياء والتكنولوجيا، وحققوا دائما النتائج الباهرة في مجالات الرياضة، ولا منافس لهم في لعبة الشطرنج الذي تعتمد على الذكاء (وحده) سوى بعض الأميركيين أو الأوروبيين الذين من أصل "سوفياتي"!!

هذا التحول الكبير هو من دون شك خلاصة جهود وأتعاب ملايين المواطنين السوفيات خلال سنوات عديدة، ولكن الذي جعل كل ذلك ممكنا هو لينين.

ولد فلاديمير ايليتش أوليانوف في 22 نيسان(أبريل) 1870 في مدينة صغيرة على ضفاف الفولغا تدعى سيمبيرسك، أما لقبه "لينين" فمأخوذ من اسم نهر سيبيري يدعى "لينا".

كان والده معلما، ثم صار مديرا لمجموعة المدارس في المدينة. أما والدته فكانت ابنة طبيب مثقفة ثقافة عالية ومندفعة في العناية بأولادها الخمسة ( صبيّان اثنان وثلاثة بنات). وقد صاروا كلهم ثوريين باستثناء بنت واحدة توفيت وهي في العشرين من عمرها.

تلقى لينين دروسه الأولى وهو في الخامسة على يد معلم كان يحضر إلى منزله لهذه الغاية. ثم دخل المدرسة وهو في التاسعة، مبديا اجتهادا كبيرا وذكاء لقيا إعجاب الجميع. وفي ذلك الوقت كانت روسيا قد بدأت تتحول بسرعة إلى دولة صناعية، وكانت قطاعات واسعة من الشعب تأن تحت وطأة الجوع والفاقة، لانعدام شروط العمل الإنسانية، وتكافل أصحاب المصانع مع الأسرة الحاكمة.

توفي والده وهو في السادسة عشرة، وفي السنة التالية أعدم أخوه ألكسندر شنقا بتهمة الاشتراك في مؤامرة لاغتيال القيصر. وقد تركت هذه الحادثة أبلغ الأثر في نفسه، وخصوصا كلمات أخيه أثناء المحاكمة، إذ اعترف بما نسب إليه قائلا انه أراد قتل القيصر لأنها الوسيلة الوحيدة لتحقيق الحرية السياسية للشعب الروسي.

في السنة نفسها أنهى لينين دروسه الثانوية بامتياز، وحصل على الميدالية الذهبية. وفي الخريف انتسب إلى جامعة قازان ولكنه طرد منها بسبب تزعمه لفئة احتجت على انعدام الحرية في الجامعة. وقد حاول عدة مرات تقديم طلبات للعودة إلى متابعة دروسه، ولكنها رفضت كلها.

أخيرا قبلت جامعة بترسبورغ طلبه للانتساب إليها شرط عدم حضور الدروس، والاكتفاء بالمجيء إلى الحرم الجامعي في نهاية السنة الدراسية للاشتراك في الامتحانات.

حصل لينين على شهادة الحقوق (1891) ثم بدأ العمل في مكتب للمحاماة في سامارا. وفي تلك الفترة راح يقرا كتابات كارل ماركس بعمق حتى العام 1893 حين انضم إلى منظمة ماركسية تدعى "الديمقراطية الاجتماعية". وما لبث أن عاد إلى بترسبورغ حيث تولى قيادة تلك المنظمة، وساعده في صعوده ذكاؤه اللامع وثقافته الغزيرة وقدرته على الخطابة والإقناع.

توفي القيصر الكسندر الثالث (1894) فخلفه ابنه نيقولا الثاني. أما لينين فقد أمضى معظم العام 1895 في فرنسا وألمانيا وسويسرا حيث التقى معظم الماركسيين النشطين هناك. وبعد شهرين من عودته إلى بترسبورغ ألقي القبض عليه فيما هو يستعد لإصدار جريدة "قضية العمال". وبقي رهن التحقيق أكثر من عام إلى أن صدر بحقه الحكم بالنفي إلى سيبيريا (1897).

لم يكن النفي إلى سيبيريا سجنا بكل معنى الكلمة. فقد كانت الحكومة تدفع للمنفيين علاوة شهرية بسيطة، وكانوا يختارون مكان إقامتهم ضمن حدود معينة. وقد اختار لينين بلدة شوشانسكايا في آباكان، وأمضى فترة النفي في الكتابة بعد زواجه من ناديا كروبسكايا (1898) التي كانت هي الأخرى منفية بسبب نشاطاتها السياسية. وأهم ما كتبه هناك " تطور الرأسمالية في روسيا".

في تلك الأثناء اتحدت معظم الحركات الماركسية السرية في روسيا وشكلت حزب "العمل الديمقراطي الروسي"، ومنها الحركة التي انتمى إليها لينين.

بعد انتهاء مدة نفيه في مطلع 1900 غادر لينين إلى ألمانيا للمساعدة في إصدار جريدة الحزب "الشرارة" ثم جريدة "الفجر"، وكانتا ممنوعتان وتوزع اعدادهما بعد تهريبها إلى روسيا. وهناك بدأ فلاديمير ايليانوف يستعمل اسم لينين، كما فعل سواه من الكتاب الذين اتخذوا اسماء مستعارة لتضليل بوليس القيصر السري.

خلال ذلك انقسم الحزب الى جماعتين: البلشفيين (ومعناها بالروسية الأكثرية) والمانشيفيين (الأقلية) بسبب التنظيمات الداخلية للحزب، وأهمها رغبة البولشفيين في اقتصار الانتماء إلى الحزب على المناضلين الثوريين، ورغبة الأقلية في أن يكون باب الانضمام مفتوحا أمام الجميع.

الثورة الأولى

مع بدابة العام 1900 بدأت تتكون في روسيا نقمة عارمة ضد القيصر بسبب تردي الوضاع على كافة الأصعدة. وارتفعت المطالبات بمزيد من الحريات السياسية، السماح للفلاحين بزراعة الأراضي التي يمتلكها الإقطاعيون، زيادة أجور العمال وتحسين ظروف العمل، إنهاء الحرب ضد اليابان...

يوم الأحد ( 22 كانون الثاني – يناير 1905) نظم كاهن أرثوذكسي يدعى جورج غابون مظاهرة اشترك فيها أكثر من 200*000 مواطن في بترسبورغ. وكانت مظاهرة سلمية تهدف الى ايصال المطالب الشعبية الى القيصر. ولكن رجاله أطلقوا النار على المتظاهرين وقتلوا عدة مئات منهم. وكانت تلك هي الشرارة التي أشعلت الثورة الروسية وامتدت، على درجات متفاوتة من الحدة، حتى سقوط النظام القيصري في 1917.

عاد لينين الى روسيا وشارك في ما تلا تلك المظاهرة من إضرابات شلت الحركة في موسكو ومعظم المدن الروسية، ومن انتفاضات ثورية مسلحة ضد القيصر . ولكن رجاله استطاعوا السيطرة على الوضع في نهاية العام 1905، إلا أن الشرارة كانت قد اشتعلت، ولو أنها بقيت أحيانا تحت الرماد.

غادر لينين إلى أوروبا مجددا متنقلا بين معظم دولها، مشاركا في نشاطات الأحزاب الماركسية، وعاملا على عقد اجتماعات دورية للبلاشفة رغبة منه في إبقاء الجذوة الثورية الى أن تحين فرصة مؤاتية لإسقاط القيصر. ولم يكن لينين بعيدا عن نشاطات الحزب الداخلية رغم وجوده في الخارج. وحين أصدر الحزب صحيفة البرافدا ( الحقيقة) كانت مقالات لينين تشكل القسم الأكبر منها.

في الأول من آب (أغسطس) 1914 أعلنت ألمانيا الحرب على روسيا. وبحلول العام 1917 كان الشعب الروسي يئن تحت وطأة الفاقة والعوز، وبدا أن المجاعة على الأبواب. وظهر نقص في المواد الغذائية على اختلافها حتى الخبز. والحكومة عاجزة عن عمل أي شيء.

العمال يضربون عن العمل وصفوف النسوة تطول أمام الأفران يوما بعد يوم. وبدأت المظاهرات العارمة، ورفض الجنود هذه المرة تنفيذ أوامر قياداتهم بإطلاق النار، ما اضطر القيصر الى التنازل عن العرش وتسليم السلطة الى حكومة برئاسة الأمير جورج ليفوف (15 آذار ـ مارس 1917).

عاد لينين الى روسيا، وكذلك معظم قيادات الحزب البولشيفي الذين كانوا منفيين الى سيبيريا. وفي 16 نيسان – ابريل 1917 وصلوا الى بتروغراد واستقبلوا استقبال الأبطال.

طالب لينين بإنهاء الحرب ضد ألمانيا فورا، وبأن تعود ملكية الأراضي الى الدولة وبإسقاط حكومة ليفوف. واستطاع استعادة زمام قيادة الحزب البولشفي إلا انه لم يتمكن من الوصول الى السلطة.

في تموز شكلت حكومة جديدة برئاسة الكسندر كيرينسكي، واصدرت أمرا بإلقاء القبض على لينين بتهمة العمالة للألمان. فغادر الى فنلندا حيث كتب واحدا من اهم اعماله "الدولة والثورة"، وفيه شرح كيفية تنظيم الثورة ونوع الحكومة التي يجب أن تتولى السلطة بعد إسقاط الحكم القائم. ثم أرسل كتابا الى الهيئة المركزية للحزب البولشيفي معلنا أن زمن الخطابات قد ولّّى وحان وقت العمل الثوري، قائلا : "إن التاريخ لن يغفر لنا إذا لم نستعد السلطة الآن".

.. والثانية

عاد لينين الى بتروغراد في تشرين الأول ـ أكتوبر 1917 ودعا الهيئة المركزية للحزب الى أعلان الثورة حالا.

كانت حكومة كيرينسكي ضعيفة، وكان ليو تروتسكي، أحد القادة البارزين في الحزب، يحظى بولاء مجموعات كبيرة من الجنود. وأعلن بعض فرق البحرية تأييد الثورة. وهكذا قرر البلاشفة التحرك.

سقطت بتروغراد بأيديهم دون مقاومة تذكر ( 7 تشرين الثاني ـ نوفمبر، الموافق 25 تشرين الأول أكتوبر حسب التقويم الشرقي) . في موسكو كانت المقاومة أشد، إلا أن البلاشفة سيطروا على المدينة في اقل من أسبوع. وهكذا صارت كل الروسيا تحت سلطتهم. واستطاعوا اكتساب ثقة الأهالي بالشعار البسيط الذي رفعوه: " الخبز والسلام والأرض للجميع".

اجتمع مجلس السوفيات (فروع الحزب) الأعلى في 8 تشرين الثاني 1917، وضم ممثلين عن كافة الأقاليم الروسية. وانتخبوا "مجلس مفوضي الشعب" الذي انتخب لينين رئيسا له. وهكذا صار فعليا رئيس الدولة الروسية. وفي الاجتماع الأول سأل لينين المجلس أن يعطيه تفويضا بإعلان إنهاء الحرب ضد ألمانيا، وبإلغاء الملكية الفردية. فوافق المجلس على الشأنين. وهكذا بدأت مفاوضات السلام مع ألمانيا وبدأ العمل على إلغاء الملكية الخاصة للأراضي وإلحاقها بممتلكات الدولة. ليتم فيما بعد توزيعها على الفلاحين.

لم تكن السنوات الأولى لحكم لينين سنوات سهلة. فالجيش كان مشتتا بسبب الحرب، والقوات الألمانية تتقدم على الجبهات، فيما أعداء البلاشفة يتكتلون للإطاحة بهم.

بذل لينين جهودا جبارة لإنهاء الحرب مع ألمانيا، مقدما بعض التنازلات في المقاطعات التي كانت تحت حكم القياصرة كفنلندا و بولندا. وهكذا وقعت معاهدة السلام في بريستيلوفسك (3 آذار ـ مارس 1918).

وفي العام نفسه طلب لينين تغيير اسم الحزب من حزب "العمل الديمقراطي الاجتماعي الروسي" إلى الحزب "الاشتراكي (الشيوعي) الروسي".

في شهر آب ـ اغسطس تعرض لينين لمحاولة اغتيال، فأصيب برصاصتين ولكنه نجا من الموت* إلا أن واحدة منهما بقيت في عنقه.

بدأ المعارضون للحكم الاشتراكي بالقيام بأعمال العنف في المدن، وتحولت تلك الأعمال الى ما يشبه الحرب الأهلية في الأرياف. ولكن المعارضين كانت تنقصهم وحدة الهدف والرؤية، فاستطاعت الحكومة القضاء على تمردهم بحلول العام 1920، حيث كانت تنتظر الحكومة معركة هامة على الصعيد الخارجي.

كانت حكومات انكلترا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة قد رفضت التعامل مع النظام الجديد لأنه رفض التعهد بدفع ديون القيصر لتلك الحكومات. و ألغى معظمها التمثيل الديبلوماسي والعقود التجارية والصناعية.

في العام 1921 أصدر لينين برنامجا سماه "السياسة الاقتصادية الجديدة"، معطيا الحرية للمزارعين وصغار المنتجين للتصرف بمنتجاتهم، سامحا بالتجارة الحرة، وداعيا الأجانب الى الاستثمار في روسيا.

دفع هذا البرنامج حكومات أوروبا الغربية و الولايات المتحدة الى إعادة التمثيل الديبلوماسي والعلاقات التجارية. ما مكن الدولة الجديدة من الانطلاق في بناء نفسها حتى وصلت الى ما وصلت اليه من تقدم علمي وفني وتربوي ، وتمكنت من تكوين قوة عسكرية كانت الى حد بعيد رادعا لجموح الولايات المتحدة ورغبة المسيطرين على سياستها من أرباب "النظام العالمي الجديد" من السيطرة على اقتصاد العالم . وهو ما يفعلونه الآن، بكل وقاحة، ومن دون رادع مادي أو أخلاقي.

كان للرصاصة التي أصابت عنق لينين أكبر الأثر في انهيار صحته. وقد أزالها الأطباء من عنقه (1922)، ولكنهم لم يستطيعوا إلغاء آثارها القاتلة، اذ تسببت في تعرض لينين لعدة نوبات دماغية، كانت آخرها (21 كانون الثاني 1924) القاضية.

حُنط جسد لينين ودفن في الساحة الحمراء في موسكو. ويعتبر قبره محجة لكل المؤمنين بفكره ونضاله.


---------

الامام الخميني

الثورة الإيرانية في سطور

1978

كانون الثاني: مظاهرات عنيفة في مدينة قم احتجاجا على نشر مقال في إحدى الصحف الإيرانية يهاجم الإمام الخميني.
شباط : مظاهرات في تبريز بمناسبة أربعين أحداث قم.
أيلول : احداث دامية في طهران بمناسبة عيد الفطر.
تشرين الأول: الإمام الخميني يغادر العراق إلى الكويت ومنها إلى فرنسا.
تشرين الثاني: المظاهرات تعم المدارس والجامعات في طهران، والسلطات تقمعها بعنف. سقوط حكومة شريف إمامي و تشكيل حكومة عسكرية برئاسة الجنرال أزهري. وتظاهرات يقوم بها الملايين من الإيرانيين ضد الشاه بمناسبة ذكرى عاشوراء.

1979

كانون الثاني: سقوط حكومة الأزهري، والشاه يؤلف حكومة برئاسة شهبور بختيار قبل ان يغادر إيران، فيما الإمام الخميني يعلن تشكيل "مجلس الثورة الإسلامية".
شباط : الإمام الخميني يغادر فرنسا إلى طهران حيث لقي استقبالا حاشدان ويسمي مهدي بزركان لرئاسة الحكومة الانتقالية. الجيش يستسلم أمام القوى الشعبية وحكومة بختيار تسقط، وبزركان يتولى السلطة بعد تشكيل "حزب الجمهورية الإسلامية".
نيسان : 99.5 بالمثة من الإيرانيين تصوت بـ "نعم" للجمهورية الإسلامية في استفتاء شعبي.
كانون الأول : إنجاز دستور الجمهورية الإسلامية وإقراره في استفتاء شعبي.

1980

كانون الثاني : أول انتخاب لرئيس الجمهورية وفوز أبو الحسن بني صدر.
آذار : انتخابات عامة وتشكيل أول "مجلس إسلامي" (برلمان).





إذا كان اكثر ما ميز القرن التاسع عشر فلسفيا وفكريا هو "المنهج العلماني" والكتابات التي عالجت شكل الدولة "المدنية"، فان القرن العشرين شهد، وخصوصا في النصف الثاني منه، حركة مضادة تماما، وتحولا نحو الأصولية الدينية، وتحديدا في العالمين العربي والإسلامي.
وأسباب ذلك غير عسيرة الإدراك، وأولها التعامل الغربي مع العالمين الإسلامي والعربي، اللذين أنهكتهما سنوات طويلة من الاستعمار التركي، بنوع من التعالي وعدم الاكتراث، إن لم نقل الاحتقار، إضافة إلى استغلال الخيرات الطبيعية والمواد الأولية.
وإذا كان زرع دولة إسرائيل في فلسطين قد شكل ذروة ذلك النوع من التعامل، فالمؤسف اليوم أن "الحرب" الفعلية ليست قائمة بين القوى الغربية من جهة والعربية والإسلامية من جهة أخرى، بل قائمة بالفعل بين العرب والمسلمين أنفسهم، والضحايا تتساقط بالمئات والآلاف.
حتى الصراع الفكري الذي يظهر في وسائل الإعلام إنما يدور بين "مكفرين" و "مكفرين" من داخل الدين الواحد والمذهب الواحد، ولا يتناول إلا عرضا الشأن الأساسي وهو الصراع بين الغرب والشرق، أي فلسفيا: الاستجابة إلى تحدي الغرب الفكري بالرد عليه بتحد يواز يه أو يفوقه. ويكاد يبدو وكان التسامح إنما يمارس مع العدو لا مع المقربين الذين هم أولى بالمعروف.
ما من شك بان قمة الحركة الأصولية كانت نجاح الإمام الخميني بالإطاحة بشاه إيران وتحويل الإمبراطورية الفارسية التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين إلى دولة إسلامية.
ولد آية الله الخميني عام 1901 من عائلة دينية في مدينة خمين بإيران، وكان والده آية الله السيد مصطفى الموسوي قد درس في النجف الاشرف وسامراء ثم عاد إلى خمين وصار زعيما دينيا حتى وفاته المبكرة وهو في الثانية والأربعين.
اهتمت والدة الإمام بتربيته مع عمته صاحبة، ولكنهما توفيتا كلتاهما قبل بلوغه الخامسة عشرة، فتولى رعايته شقيقه الأكبر ولقنه قواعد اللغة العربية والمنطق إضافة إلى مواضيع أخرى. بعد ذلك درس الإمام الخميني في مدرستي الشريعة في آراك وقم وصار مختصا بالآداب والفقه والتشريع الإسلامي.
بدأ حياته العملية مدرسا للفلسفة والفقه وهو في السابعة والعشرين، ثم تزوج وهو في الثلاثين. ورزق بصبيين وثلاث بنات.
صرف الإمام الخميني معظم حياته في تدريس الشريعة الإسلامية حسب المذهب الجعفري الاثني عشري وفي دراستها والتعمق بها أيضا.
أولى مجابهاته مع حكومات الشاه حصلت عام 1962 عندما قامت الحكومة بإقرار قانون سمح لكل المواطنين الإيرانيين، بمن فيهم غير المسلمين، بالترشيح للانتخابات النيابية، مسقطة من القانون السابق الشرط القاضي بان يكون المرشح مسلما. فقد أرسل الإمام احتجاجا قويا إلى رئيس الحكومة متهما إياه بالرضوخ لإرادة الصهيونية العالمية، ومحذرا من أن ذلك القانون يشكل كارثة، وان عواقبه ستكون وخيمة جدا على إيران.
وفي السنة التالية اصدر الإمام فتوى بعدم جواز الاحتفال برأس السنة الميلادية لمصادفته ذكرى اغتيال الإمام الصديق، فردت الحكومة بإرسال فرقة عسكرية كبيرة إلى مدينة قم في تلك الليلة. وعندما وصل الخبر إلى الإمام دعا الأهالي إلى الهدوء. وفي العاشر من شهر محرم حسب التقويم الهجري ألقى الإمام خطبة عنيفة جدا هاجم فيها الحكومة، متهما إياها بالرضوخ للمخططات الصهيونية التي تهدف إلى تحقير القرآن الكريم وتصفية الزعماء الدينيين والسماح لإسرائيل بان تحكم قبضتها على الاقتصاد الإيراني.
أحكمت قوات الشاه طوقها على مدينة قم وألقت القبض على الإمام ونقلته إلى سجن "القصر" في طهران. فنزل الناس إلى الشوارع في قم بقيادة الحاج مصطفى الخميني، ابن الإمام، وقاموا بالتظاهر والاحتجاجات على اعتقال زعيمهم الديني. وفي اليوم التالي قامت مظاهرات مماثلة في طهران، وقد قمعتها قوات الأمن مما أدى إلى سقوط 15 ألف قتيل في طهران و 400 في قم، فيما كان الشاه يصدر أمره بإعدام الإمام الخميني فورا.
وقد أسرع آية الله العظمى شريعة المداري، وهو من كبار الزعماء الدينيين في إيران إلى إصدار فتوى سلمها حالا إلى الشاه والى حكومته، مفادها أن الإمام الخميني هو "مجتهد" في الشريعة الإسلامية، وبالتالي لا يجوز إعدامه حسب نص صريح في الدستور الإيراني. وهكذا لم يجد الشاه أمامه إلا الاتفاق مع تركيا على نفي الإمام إليها وإقامته في مدينة ازمير في تشرين الثاني 1964. وقد منعت الحكومة التركية الزيارات والمقابلات عن الإمام وراقبت ما كان يرسله أو يصله بالبريد.بعد فترة تعرضت تركيا لضغوط خارجية من اجل ترحيل الإمام عنها، وأعلمت إيران بذلك. وبعد مفاوضات قبل العراق بلجوء الإمام إليها شرط ألا تتدخل السلطات الإيرانية بمصيره هناك.
وقد نظم آية الله السيد محمد الشيرازي وهو من كبار المراجع الدينية في العراق، استقبالا كبيرا للإمام الخميني في قرية المزياب على حدود محافظة كربلاء، ثم ركبا سيارة مكشوفة أوصلتهما إلى المدينة المقدسة كربلاء نفسها حيث نزل الإمام الخميني ضيفا على الإمام الشيرازي لمدة ثلاثة اشهر عقدا خلالها العديد من الاجتماعات ووضعا الخطط التي اعتقدا أنها ستؤدي في النهاية إلى الإطاحة بالشاه وتشكيل حكومة إسلامية في إيران.
بعد ذلك انتقل الإمام الخميني إلى النجف الاشرف حيث بقي هناك حتى عام 1978، متابعا عن كثب انتفاضة الشعب الإيراني ضد الشاه.
مع بدء الأحداث الدموية في إيران طلب الإمام الخميني مغادرة العراق إلى الكويت، فأوصله رجال المخابرات العراقية إلى الحدود. إلا أن السلطات الكويتية رفضت استقباله، ولم تسمح له بدخول البلاد إلا بعد التأكد من انه سيذهب إلى المطار ليسافر من هناك إلى فرنسا التي قبلت أن تستقبله. وهناك اجتمع حوله معاونوه وأعلنوا تشكيل "مجلس الثورة الإسلامية".
كانت انتفاضة الشعب الإيراني قد بلغت ذروتها، وراحت حكومات الشاه تتساقط الواحدة بعد الأخرى، وعمت المظاهرات المدن الكبرى والصغرى على السواء، مما اضطر الشاه إلى مغادرة البلاد في مطلع 1978، محاولا اللجوء إلى عدة بلدان غربية، ولكنها كلها رفضت منحه حق الإقامة، فذهب أخيرا إلى مصر، وهناك استقبله الرئيس المصري الراحل أنور السادات.
بعد مغادرة الشاه إيران عاد إليها الإمام الخميني حيث استقبله الشعب استقبالا عارما، وأعلن فورا عن تكليف مهدي بزركان بتشكيل حكومة انتقالية، فيما كان أفراد الجيش يستسلمون أمام القوة الشعبية، وحكومة شهبور بختيار التي شكلها الشاه قبل رحيله تسقط تحت وطأة الضغوط السياسية وانعدام السلطة الفعلية لديها.
بعد استتباب السلطة للإمام الخميني جرى استفتاء الشعب على قيام جمهورية إسلامية، فوافق بشبه إجماع. ثم تم العمل على وضع دستور للجمهورية فوافق عليه الشعب باستفتاء آخر. وشهد عام 1980 انتخاب أول رئيس للجمهورية، أبي الحسن بني صدر، ثم أول مجلس إسلامي (برلمان).
لم تخل السنوات الأولى للثورة من صراعات عنيفة واغتيالات، كان أبرزها نسف مقر البرلمان وسقوط ما يقارب 70 من أعضائه في حزيران 1981.
ثم نشبت الحرب العراقية ـ الإيرانية التي دامت ما يقارب الثماني سنوات، والتي أعلن الإمام الخميني نهايتها، حسب الشروط العراقية، "والألم يحز في نفسه" على حد تعبيره في الكلمة التي ألقاها بتلك المناسبة.
لم تمض اشهر معدودة على نهاية الحرب حتى أصيب الإمام الخميني بمرض عضال، وأجرى عدة عمليات جراحية أدت في النهاية إلى وفاته.


---------


أم كلثوم

أشهر أغاني أم كلثوم

غنت أم كلثوم أكثر من 320 أغنية. هذه أشهرها:
أغدا ألقاك
الأطلال
ألف ليلة وليلة

أمل حياتي
أنا في انتظارك
أنساك يا سلام

ظلمنا الحب
أقبل الليل
أراك عصي الدمع

بعيد عنك
عودت عيني
أروح لمين

دليلي احتار
الحب كده
الحب كله

انت الحب
انت عمري
اسأل روحك

فكروني
فات الميعاد
غلبت أصالح بروحي

يا كروان
حديث الروح
هجرتك

رحاب الهدى
حكم علينا الزمن
حسيبك للزمن

حيرت قلبي
هذه ليلتي
حب ايه؟

كل الأحبة
ليلة حب
للصبر حدود

لسه فاكر
من أجل عينك
رباعيات الخيام

سيرة الحب
طريق وحيد
طوف وشوف

ودارت الأيام
يا مسهرني
يا ظالمني

ذكريات
هو صحيح الهوى غلاب





قليلة هي الشخصيات التي استطاعت توحيد العالم العربي حول شان من الشؤون. وأم كلثوم كانت واحدة من تلك الشخصيات. لقد اجتمع العرب حول فنها وغنائها كما لم يجتمعوا حول أي شأن آخر. حتى عبد الناصر، الذي كان على علاقة وطنية ـ قومية ـ سياسية بفن أم كلثوم، لم يجمع العرب كما جمعتهم. لقد كان لعبد الناصر معارضون شخصيون وسياسيون وقوميون، وقد قاطعته أنظمة عربية عديدة وتجاهلت أخباره.وكذلك كان لأم كلثوم معارضون شخصيون و"سياسيون" وقوميون، ولكن أغانيها كانت تتردد من سائر الإذاعات العربية دون استثناء.
لقد اتهمت أم كلثوم، وفنها تحديدا بالتأثير السلبي على الشعب العربي، بل لقد اعتبر البعض أغانيها بمثابة المخدر. وقد ذهب بعض المغالين إلى حد اعتبارها مسؤولة بشكل من الأشكال عن هزيمة حزيران 1967. ولكن أغانيها الوطنية، وخصوصا في أيام عبد الناصر كانت بمثابة الجامعة العربية الحقيقية التي تجاوزت السياسات المحلية.
وحتى اليوم، أي بعد وفاتها بما يقارب 25 سنة، تؤكد الأرقام أنها لا تزال تعتلي قمة المبيعات في سوق الكاسيت، وبفارق بعيد عمن يليها في اللائحة.
ولدت أم كلثوم في قرية صغيرة من محافظة الدقهلية تدعى طمي الزهايرة. وتاريخ ميلادها غير معروف بالضبط، وان كان يرجح أنها ولدت في 4 أيار 1904.
كان والدها الشيخ إبراهيم السيد البلطجي (توفي 1932) إمام المسجد المحلي، أما والدتها فاطمة المليجي (توفيت 1947)فكانت ربة بيت.
كان دخل العائلة متواضعا جدا، مما اضطر الشيخ إبراهيم، صاحب الصوت الجميل والإلمام بالموسيقى إلى الغناء في الحفلات الخاصة كالموالد والأعراس في قريته والقرى المحاورة. وقد نشأت أم كلثوم مع أختها سيدة وأخيها خالد في منزل العائلة المتواضع . ولم يمتلك الشيخ إبراهيم أي عقارات أخرى.
أرسلت أم كلثوم مع أخيها خالد إلى الكتّاب في القرية، ولكن شيخ الكتاب ما لبث ان توفي، فأرسل الطفلان إلى مدرسة حكومية في قرية مجاورة، تبعد عدة كيلومترات، اسمها "عزبة الهوال"، وقد بقيت أم كلثوم في المدرسة مع أخيها ما يقارب السنوات الثلاث حيث حفظت معظم القرآن الكريم، وتعلمت القراءة والكتابة.
تعلمت أم كلثوم الغناء من والدها، إذ كانت تستمع إليه وهو يلقن أخاها خالدا أصول الموسيقى والغناء، رغبة منه في ان يكون بإمكان الشاب مساعدته في إقامة الحفلات التي صارت هي الدخل الأساسي للعائلة. وعندما علم والدها بما كانت تفعل وسمع صوتها الجميل والقوي أعجب به كثيرا وطلب منها ان تنضم إلى الفرقة.
تمتعت فرقة الشيخ إبراهيم بشهرة واسعة في دلتا النيل، وصارت حفلاتها كثيرة. وكان الشيخ يتقاضى 10 جنيهات عن الحفلة، أي ما يعادل 50 دولارا في ذلك الحين. وكان هذا المبلغ أكثر مما يتقاضاه موظف حكومي متوسط الرتبة طوال شهر.
ومنذ انضمام أم كلثوم إلى الفرقة راح كثير من الناس يقترحون عليها وعلى والدها الانتقال إلى القاهرة حيث مجالات العمل والشهرة أرحب وأوسع بما لا يقاس.
كان معظم الموسيقيين في القاهرة في ذلك الحين من المشايخ. وكان الشيخ إبراهيم يعرف بعضهم، وخصوصا الشيخ زكريا أحمد، والشيخ أبو العلا محمد، وقد ساعدا العائلة على الانتقال إلى القاهرة وعرفاها على المنتجين الفنيين، كما ان الشيخ أبو العلا نفسه صار أستاذ أم كلثوم في الموسيقى حيث كانت في حاجة إلى تدريب صوتها القوي لاستخراج كافة طاقاته وقدراته. ثم قدمها إلى الشاعر أحمد رامي الذي ساهم في تدريسها الشعر والأدب العربي.
بدأت أم كلثوم حفلاتها في القاهرة بغناء ما كان يؤديه والدها في قرى ومدن الدلتا. ولكنها سرعان ما أدركت ان هذا لن يقودها إلى النجاح، ولا بد لها من الاستغناء عن خدمات العائلة واستئجار عازفين متخصصين على الآلات الموسيقية، واستبدال القصائد والتواشيح الدينية بأغنيات عاطفية يكتبها ويلحنها شعراء وموسيقيون مختصون.
هكذا خطت أم كلثوم خطواتها الأولى نحو النجاح في الثلاثينات، وبدأت بتسجيل الاسطوانات والغناء من الإذاعات، فصار لديها دخل ثابت مكنها من اختيار أغانيها وأعمالها الفنية بدقة فتمتعت بمستوى فني رفيع، عملت على المحافظة عليه طوال حياتها.
الأربعينات والخمسينات كانت العصر الذهبي لأم كلثوم. فقد شكلت القطب الغنائي في مثلثين شهيرين، الأول مخضرم وقد تألف من الشاعر احمد رامي والموسيقي زكريا احمد، والثاني أكثر شبابا وقد سعت إليه بحسها ورغبتها الدائمة في التجديد، إذ تعاونت مع الشاعر أحمد شوقي والموسيقي الفتي رياض السنباطي. وقد لقيت أغانيها الجديدة ترحيبا كبيرا من الجمهور المصري ثم العربي.
عانت أم كلثوم منذ الثلاثينات من مرض في الكبد، وقد أثر عليها ذلك طوال حياتها، وحد من نشاطها الفني لفترات امتدت إلى سنتين أو ثلاث سنوات أحيانا. وكان السبب الأساسي لضعف في عينيها ولنصيحة الأطباء لها بان تعتزل السينما تجنبا للأضواء الباهرة التي تستعمل أثناء التصوير. ولكنها كانت تعالج مرضها بالمياه المعدنية وبالراحة التامة إلى ان تستعيد عافيتها فتستأنف نشاطها الفني، ومن اشهر علامات مرضها هو اضطرارها إلى ارتداء نظارات سوداء معظم سنوات حياتها.
العصر "الماسي" لأم كلثوم بدأ في الستينات عندما راحت تتعاون مع الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب بعد قطيعة تامة بينهما. وقد لاقت الأغاني التي جمعتهما، مثل "انت
عمري" و "انت الحب"، نجاحا منقطع النظير.
ولكن الستينات شهدت أيضا هزيمة حزيران، فكان لأم كلثوم عدد من الأغاني الوطنية والقومية التي صارت على كل شفة ولسان. كما أنها قامت برحلات عديدة إلى الخارج وأحيت عدة حفلات عربية وعالمية عاد ريعها كلها للمجهود الحربي المصري. وقد أدى ذلك إلى تدهور كبير في صحتها منذ مطلع السبعينات، واضطرت إلى إلغاء العديد من حفلاتها الشهيرة التي كانت تقيمها في الخميس الأول من كل شهر (1972 و 1973)، لاضطرارها إلى التنقل بين أوروبا وأميركا طلبا للعلاج على أيدي اشهر الأطباء الاختصاصيين بأمراض الكلى.
في 21 كانون الثاني 1975 أصيبت أم كلثوم بنوبة حادة فنقلت إلى المستشفى رغم إرادتها. وامتلأ منزلها في الزمالك بالصحفيين الذين منعوا من ملازمة المستشفى، وكانوا يتسقطون الأخبار الواردة إلى المنزل من الأطباء المعالجين، في حين فتحت الإذاعة السورية خطا تلفونيا مباشرا مع مراسلها في القاهرة لتلقي الأنباء أولا بأول. أما جريدة الأهرام المصرية فقد خصصت نشرة يومية عن صحة أم كلثوم.
ولكن المنية وافت كوكب الشرق في الثالث من شباط، وتقررت إقامة الجنازة في اليوم نفسه، حسب التقاليد الإسلامية التي تقضي بأن يتم دفن الميت بأسرع ما يمكن، وذلك بإقامة الصلاة في جامع عمر مكرم في وسط القاهرة.
في ذلك الوقت بدأت الأخبار ترد عن عدد كبير من غير المصريين ومن المصريين المقيمين في الخارج الراغبين في المشاركة في التشييع، مما اضطر المسؤولين إلى تأجيلها ليومين.
وفي الخامس من شباط امتلأت شوارع القاهرة بالملايين من المشيعين الذين لم يسمحوا بتنفيذ مراسم التشييع كما كانت مقررة، ونالت أم كلثوم تشييعا شعبيا لم يسبق له مثيل. إذ أخذ المواطنون النعش من حامليه الرسميين وراحوا يتبادلون حمله لمدة ثلاث ساعات عبر شوارع القاهرة متوجهين به إلى مسجد "سيدنا الحسين" بدل "عمر مكرم". وهناك صلى عليه أمام الجامع وطلب من المشيعين ان يأخذوا الجثمان إلى مثواه الأخير تنفيذا للتقليد الإسلامي، مؤكدا ان أم كلثوم كانت مسلمة متدينة وأنها ما كانت لتقبل إلا بأن يتم دفنها حسب التقليد الإسلامي. وهكذا كان.


---------

جــبـران

مؤلفات جبران خليل جبران
هذه لائحة بأشهر كتب جبران وتاريخ نشر كل منها للمرة الأولى:
بالعربية:
الأرواح المتمردة 1908
الأجنحة المتكسرة 1912
دمعة وابتسامة 1914
المواكب 1918
بالإنكليزية:
المجنون 1918
السابق 1920
النبي 1923
رمل وزبد 1926
يسوع ابن الإنسان 1928
آلهة الأرض 1931
التائه 1932
حديقة النبي 1933




قليلون جدا من لم يسمعوا بـ "جبران" حول العالم، والأقل منهم من لم يسمعوا بكتاب "النبي". وهذا الكتاب يختصر بالفعل فلسفة جبران ونظرته إلى الكون والحياة. وقد ترجم إلى لغات العالم الحية كلها، وكانت آخرها اللغة الصينية ( هذا العام)، وقد حققت مبيعاته أرقاما قياسية بالنسبة إلى سواه من الكتب المترجمة إلى تلك اللغة.
صحيح ان معظم كتب جبران وضعت بالإنكليزية، وهذا ما ساعد كثيرا على انتشارها، ولكن جبران كتب ورسم و "فلسف" الأمور بروح مشرقية أصيلة لا غبار عليها، سوى غبار المزج بين ثقافات متعددة وعجنها ثم رقها وخبزها على نار الطموح إلى مجتمع أفضل وحياة أرقى وعلاقات بين البشر تسودها السعادة المطلقة التي لم يتمتع بها جبران نفسه. وكأن قدر كل عظماء العالم من فلاسفة ومفكرين ان يعانوا الآلام النفسية والجسدية في سبيل بلوغ الغاية القصوى واكتشاف أسرار الحياة والمعرفة.
ولد هذا الفيلسوف والأديب والشاعر والرسام من أسرة صغيرة فقيرة في بلدة بشري في 6 كانون الثاني 1883. كان والده خليل جبران الزوج الثالث لوالدته كميلة رحمة التي كان لها ابن اسمه بطرس من زواج سابق ثم أنجبت جبران وشقيقتيه مريانا وسلطانة .
كان والد جبران راعيا للماشية، ولكنه صرف معظم وقته في السكر ولم يهتم بأسرته التي كان على زوجته كميلة، وهي من عائلة محترمة وذات خلفية دينية، ان تعتني بها ماديا ومعنويا وعاطفيا. ولذلك لم يرسل جبران إلى المدرسة، بل كان يذهب من حين إلى آخر إلى كاهن البلدة الذي سرعان ما أدرك جديته وذكاءه فانفق الساعات في تعليمه الأبجدية والقراءة والكتابة مما فتح أمامه مجال المطالعة والتعرف إلى التاريخ والعلوم والآداب.
وفي العاشرة من عمره وقع جبران عن إحدى صخور وادي قاديشا وأصيب بكسر في كتفه اليسرى، عانى منه طوال حياته.
لم يكف العائلة ما كانت تعانيه من فقر وعدم مبالاة من الوالد، حتى جاء الجنود العثمانيون يوما (1890)والقوا اقبض عليه أودعوه السجن، وباعوا منزلهم الوحيد، فاضطرت العائلة إلى النزول عند بعض الأقرباء. ولكن الوالدة قررت ان الحل الوحيد لمشاكل العائلة هو الهجرة إلى الولايات المتحدة سعيا وراء حياة أفضل.
عام 1894 خرج خليل جبران من السجن، وكان محتارا في شأن الهجرة، ولكن الوالدة كانت قد حزمت أمرها، فسافرت العائلة تاركة الوالد وراءها. ووصلوا إلى نيويورك في 25 حزيران 1895 ومنها انتقلوا إلى مدينة بوسطن حيث كانت تسكن اكبر جالية لبنانية في الولايات المتحدة. وبذلك لم تشعر الوالدة بالغربة، بل كانت تتكلم اللغة العربية مع جيرانها، وتقاسمهم عاداتهم اللبنانية التي احتفظوا بها.
اهتمت الجمعيات الخيرية بإدخال جبران إلى المدرسة، في حين قضت التقاليد بأن تبقى شقيقتاه في المنزل، في حين بدأت الوالدة تعمل كبائعة متجولة في شوارع بوسطن على غرار الكثيرين من أبناء الجالية. وقد حصل خطأ في تسجيل اسم جبران في المدرسة وأعطي اسم والده، وبذلك عرف في الولايات المتحدة باسم "خليل جبران". وقد حاول جبران عدة مرات تصحيح هذا الخطأ فيما بعد إلا انه فشل.
بدأت أحوال العائلة تتحسن ماديا، وعندما جمعت الأم مبلغا كافيا من المال أعطته لابنها بطرس الذي يكبر جبران بست سنوات وفتحت العائلة محلا تجاريا. وكان معلمو جبران في ذلك الوقت يكتشفون مواهبه الأصيلة في الرسم ويعجبون بها إلى حد ان مدير المدرسة استدعى الرسام الشهير هولاند داي لإعطاء دروس خاصة لجبران مما فتح أمامه أبواب المعرفة الفنية وزيارة المعارض والاختلاط مع بيئة اجتماعية مختلفة تماما عما عرفه في السابق.
كان لداي فضل اطلاع جبران على الميثولوجيا اليونانية، الأدب العالمي وفنون الكتابة المعاصرة والتصوير الفوتوغرافي، ولكنه شدد دائما على ان جبران يجب ان يختبر كل تلك الفنون لكي يخلص إلى نهج وأسلوب خاصين به. وقد ساعده على بيع بعض إنتاجه من إحدى دور النشر كغلافات للكتب التي كانت تطبعها. وقد بدا واضحا انه قد اختط لنفسه أسلوبا وتقنية خاصين به، وبدأ يحظى بالشهرة في أوساط بوسطن الأدبية والفنية. ولكن العائلة قررت ان الشهرة المبكرة ستعود عليه بالضرر، وانه لا بد ان يعود إلى لبنان لمتابعة دراسته وخصوصا من أجل إتقان اللغة العربية.
وصل جبران إلى بيروت عام 1898 وهو يتكلم لغة إنكليزية ضعيفة، ويكاد ينسى العربية أيضا. والتحق بمدرسة الحكمة التي كانت تعطي دروسا خاصة في اللغة العربية. ولكن المنهج الذي كانت تتبعه لم يعجب جبران فطلب من إدارة المدرسة ان تعدله ليتناسب مع حاجاته. وقد لفت ذلك نظر المسؤولين عن المدرسة، لما فيه من حجة وبعد نظر وجرأة لم يشهدوها لدى أي تلميذ خر سابقا. وكان لجبران ما أراد، ولم يخيب أمل أساتذته إذ اعجبوا بسرعة تلقيه وثقته بنفسه وروحه المتمردة على كل قديم وضعيف وبال.
تعرف جبران على يوسف الحويك واصدرا معا مجلة "المنارة" وكانا يحررانها سوية فيما وضع جبران رسومها وحده. وبقيا يعملان معا بها حتى أنهى جبران دروسه بتفوق واضح في العربية والفرنسية والشعر (1902). وقد وصلته أخبار عن مرض أفراد عائلته، فيما كانت علاقته مع والده تنتقل من سيء إلى أسوأ فغادر لبنان عائدا إلى بوسطن، ولكنه لسوء حظه وصل بعد وفاة شقيقته سلطانة. وخلال بضعة اشهر كانت أمه تدخل المستشفى لإجراء عملية جراحية لاستئصال بعض الخلايا السرطانية. فيما قرر شقيقه بطرس ترك المحل التجاري والسفر إلى كوبا. وهكذا كان على جبران ان يهتم بشؤون العائلة المادية والصحية. ولكن المآسي تتابعت بأسرع مما يمكن احتماله. فما لبث بطرس ان عاد من كوبا مصابا بمرض قاتل وقضى نحبه بعد أيام قليلة (12 آذار 1903) فيما فشلت العملية الجراحية التي أجرتها الوالدة في استئصال المرض وقضت نحبها في 28 حزيران من السنة نفسها.
إضافة إلى كل ذلك كان جبران يعيش أزمة من نوع آخر، فهو كان راغبا في إتقان الكتابة باللغة الإنكليزية، لأنها تفتح أمامه مجالا ارحب كثيرا من مجرد الكتابة في جريدة تصدر بالعربية في أميركا ( كالمهاجر9 ولا يقرأها سوى عدد قليل من الناس. ولكن انكليزيته كانت ضعيفة جدا. ولم يعرف ماذا يفعل، فكان يترك البيت ويهيم على وجهه هربا من صورة الموت والعذاب. وزاد من عذابه ان الفتاة الجميلة التي كانت تربطه بها صلة عاطفية، وكانا على وشك الزواج في ذلك الحين (جوزيفين بيبادي)، عجزت عن مساعدته عمليا، فقد كانت تكتفي بنقد كتاباته الإنكليزية ثم تتركه ليحاول إيجاد حل لوحده. في حين ان صديقه الآخر الرسام هولاند داي لم يكن قادرا على مساعدته في المجال الأدبي كما ساعده في المجال الفني.
وأخيرا قدمته جوزفين إلى امرأة من معارفها اسمها ماري هاسكل (1904)، فخطّت بذلك صفحات مرحلة جديدة من حياة جبران.
كانت ماري هاسكل امرأة مستقلة في حياتها الشخصية وتكبر جبران بعشر سنوات، وقد لعبت دورا هاما في حياته منذ ان التقيا. فقد لاحظت ان جبران لا يحاول الكتابة بالإنكليزية، بل يكتب بالعربية أولا ثم يترجم ذلك. فنصحته وشجعته كثيرا على الكتابة بالإنكليزية مباشرة. وهكذا راح جبران ينشر كتاباته العربية في الصحف أولا ثم يجمعها ويصدرها بشكل كتب ، ويتدرب في الوقت نفسه على الكتابة مباشرة بالإنكليزية.
عام 1908 غادر جبران إلى باريس لدراسة الفنون وهناك التقى مجددا بزميله في الدراسة في بيروت يوسف الحويك. ومكث في باريس ما يقارب السنتين ثم عاد إلى أميركا بعد زيارة قصيرة للندن برفقة الكاتب أمين الريحاني.
وصل جبران إلى بوسطن في كانون الأول عام 1910، حيث اقترح على ماري هاسكل الزواج والانتقال إلى نيويورك هربا من محيط الجالية اللبنانية هناك والتماسا لمجال فكري وأدبي وفني أرحب. ولكن ماري رفضت الزواج منه بسبب فارق السن، وان كانت قد وعدت بالحفاظ على الصداقة بينهما ورعاية شقيقته مريانا العزباء وغير المثقفة.
وهكذا انتقل جبران إلى نيويورك ولم يغادرها حتى وفاته . وهناك عرف نوعا من الاستقرار مكنه من الانصراف إلى أعماله الأدبية والفنية فقام برسم العديد من اللوحات لكبار المشاهير مثل رودان وساره برنار وغوستاف يانغ وسواهم.
سنة 1923 نشر كتاب جبران باللغة الإنكليزية، وطبع ست مرات قبل نهاية ذلك العام ثم ترجم فورا إلى عدد من اللغات الأجنبية، ويحظى إلى اليوم بشهرة قل نظيرها بين الكتب.
بقي جبران على علاقة وطيدة مع ماري هاسكال، فيما كان يراسل أيضا الأديبة مي زيادة التي أرسلت له عام 1912 رسالة معربة عن إعجابها بكتابه " الأجنحة المتكسرة". وقد دامت مراسلتهما حتى وفاته رغم انهما لم يلتقيا أبدا.
توفي جبران في 10 نيسان 1931 في إحدى مستشفيات نيويورك وهو في الثامنة والأربعين بعد أصابته بمرض السرطان. وقد نقلت شقيقته مريانا وماري هاسكل جثمانه إلى بلدته بشري في شهر تموز من العام نفسه حيث استقبله الأهالي. ثم عملت المرأتان على مفاوضة الراهبات الكرمليات واشترتا منهما دير مار سركيس الذي نقل إليه جثمان جبران، وما يزال إلى الآن متحفا ومقصدا للزائرين

---


الأم تريزا في سطور

1910 ولادة "غونشي بوياخيو" في 27 آب .
1922 في الثانية عشرة قررت الالتحاق برهبنة "لوريتو" في ايرلندا.
1923 إرسالها كراهبة مبتدئة الي دير في شمال الهند، حيث أمضت 17 سنة.
1937 "الأخت تريزا" تقــدم الـــنذر الأخــــير وتصبــح راهـبة.
1948 تلقي بعض الدروس في الطب والتمريض، وترك الدير للانصراف إلى معالجة الناس ومساعدتهم في الأحياء الفقيرة.
1950 تأسيس "الإرسالية الخيرية".
1952 افتتاح بيت لاستقبال المرضى غير القابلين للشفاء ورعايتهم حتى وفاتهم.
1957 "الإرسالية الخيرة" تنتشر في أماكن مختلفة من العالم، حيث الكوارث الطبيعية والفقر.
1971 الأم تريزا تمنح وسام البابا يوحنا الثالث والعشرين للسلام.
1979 جائزة نوبل للسلام.
1985 - 1997 فترة صعبة من حياتها، حيث تعرضت للإصابة بأمراض عديدة، وأجرت أكثر من عملية جراحية، مع إصرارها الشديد على متابعة نشاطاتها الإنسانية.
1997 الأم تريزا تسلم الروح في 5 أيلول.




من النادر ان تحظى امرأة بالإعجاب والتكريم اللذين حظيت بهما الأم تريزا. ولا غرابة في ذلك. فهي قد قامت بأعمال يعجز البشر، نساء ورجالا، عن القيام بها. وما من شك في ان الكنيسة الكاثوليكية ستطوبها قديسة، حين اكتمال ملفها.
لقد صرفت الأم تريزا حياتها في خدمة الفقراء والمرضى والمحتاجين، لكي يروا وجه الله فيها، على حد تعبيرها، وبحسب تعليم الكتاب المقدس الذي يقول ان الله قد خلق الإنسان على صورته ومثاله، وانه يدعوه إلى ان يُري الآخرين هذه الصورة من خلال أعماله الحسنة، مؤكدا ان مساعدة الفقراء والمرضى إنما هي خدمات تقدم لله نفسه، لأن كل ما يفعله الإنسان باخوته البشر، من خير أو شر، إنما يفعله لله سبحانه وتعالى.
ولدت الأم تريزا في 27 آب 1910، في مدينة سكوبي التي تقع الآن في دولة مقدونيا، وكانت سابقا تابعة لألبانيا. والداها كانا من أصل الباني، الوالد متعهد بناء والوالدة ربة بيت. وكلاهما من الكاثوليك المؤمنين الذين يصلون ويذهبون إلى الكنيسة كل يوم تقريبا.
في طفولتها كان أكثر ما تأثرت به "غونشي بوياخيو"، التي ستعرف فيما بعد باسم الأم تريزا، هو كرم العائلة الشديد ومساعدتها ورعايتها للفقراء في مكان إقامتها. وهذا ما طبع حياتها كلها بطابعه.
في الثانية عشرة أدركت ان رسالتها هي مساعدة الفقراء والمحتاجين، فقررت ان تصير راهبة، وارتحلت لهذه الغاية إلى دير راهبات "أخوية لوريتو" في دبلن بايرلندا حيث رسمت راهبة مبتدئة. وبعد عام أرسلت إلى دير تابع لتلك الرهبنة في مدينة داريلينغ بالقرب من كالكوتا في الهند.
وقد أمضت في ذلك الدير 17 عاما وهي تقوم بالتعلم والتعليم، ثم صارت مديرة لثانوية "القديسة مريم" في كلكوتا.
في أحد الأيام من عام 1946، وهي مسافرة بالقطار إلى داريلينغ ، شاهدت رؤيا يبدو فيها الله وهو يدعوها إلى "خدمته بين أفقر الفقراء".
أثرت فيها تلك الرؤيا كثيرا، بل إنها غيرت وجه حياتها إلى الأبد. فما ان حل عام 1948 حتى كانت قد تلقت الإذن بمغادرة الدير والذهاب إلى أحياء كلكوتا الفقيرة لإنشاء أول مدرسة لها. وما لبثت الأخت انياس، وهي تلميذة سابقة لها في دير داريلينغ، ان التحقت بها، فصارت أولى اتباع الأم تيريزا. ثم تبعتها راهبات أخريات رغبن في خدمة الله عن طريق رعاية الفقراء. فتقدمت الأم تريزا من الكنيسة الكاثوليكية بطلب لإنشاء رهبنة منفصلة تحت اسم "الإرساليات الخيرية"، فوافق غبطة البابا على ذلك في 7 تشرين الأول 1950.
وقد اختارت الأم تريزا لرهبنتها ثوبا بسيطا هو عبارة عن ساري أبيض اللون ذي إطار ازرق مع شارة الصليب على الكتف الأيسر، لكي يصير بإمكان المحتاجين معرفة الراهبات. وكانت مهمة الرهبنة، كما حددتها الأم تريزا لدى تلقيها جائزة نوبل: "العناية بالجائعين والعراة والمشردين والعاجزين والعميان والمنبوذين. كل هؤلاء البشر الذين يشعرون بأنهم غير مرغوب فيهم أو محرومون من العناية والمحبة. أولئك الذين يعتبرهم أفراد المجتمع عبئا عليهم فيتجنبونهم".
تعاونت الأم تريزا مع السلطات الرسمية في كلكوتا فحولت جزءا من معبد كالي (إلهة الموت والدمار عند الهندوس) إلى منزل لرعاية المصابين بأمراض غير قابلة للشفاء والعناية بهم في أيامهم الأخيرة لكي يموتوا بكرامة، ويحسوا بالعطف والقبول بدل البغض والرفض من مجتمعهم.
وتوالت بعد ذلك المؤسسات التي أنشأتها الأم تريزا، فأقامت "القلب النقي" (منزل للمرضى المزمنين أيضا)، و "مدينة السلام" (مجموعة من المنازل الصغيرة لإيواء المنبوذين من المصابين بأمراض معدية). ثم أنشأت أول مأوى للأيتام.
وبازدياد المنتسبات إلى رهبنة "الإرسالية الخيرية"، راحت الأم تريزا تنشئ مئات البيوت المماثلة في طول الهند وعرضها لرعاية الفقراء ومسح جروحاتهم وتخفيف آلامهم، والأهم من كل ذلك لجعلهم يشعرون بأنهم محبوبون ومحترمون كبشر.
كان عام 1965 نقطة تحول كبرى في مسيرة الرهبنة. فقد منحها البابا بولس السادس الإذن بالتوسع والعمل في كافة أنحاء العالم، لا الهند وحسب. وهكذا راح عدد المنتسبات إليها يزداد وفروعها تشمل معظم دول العالم الفقيرة أو التي تشهد حروبا ونزاعات. من أثيوبيا المهددة بالجوع الى غيتوات السود المقفلة في جنوب أفريقيا، إلى ألبانيا مسقط رأسها بعد سقوط الشيوعية، كانت "القديسة الحية" حاضرة للمساعدة والرعاية وإظهار المحبة الخالصة. ومن أعمالها المشهودة أنها استطاعت خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ان توقف إطلاق النار لمدة معينة إلى ان تمكن رجال الدفاع المدني من إنقاذ 37 طفلا مريضا كانوا محاصرين في إحدى المستشفيات.
لقد حظيت الأم تريزا بإعجاب العالم ونالت العديد من الجوائز تقديرا لخدماتها الجليلة. وقد عرفت كيف تستغل سمعتها العالمية بذكاء من أجل جمع المال والمساعدات لخدمة القضية الإنسانية النبيلة التي جعلتها هدفا لها.
عام 1962 منحتها الحكومة الهندية جائزة "باندما شري" لـ "خدماتها الإنسانية المميزة".
سنة 1971 كرمها البابا بولس السادس، إذ جعلها أول شخص يفوز بجائزة البابا يوحنا الثالث والعشرين للسلام.
عام 1972 منحتها الحكومة الهندية ميدالية جواهر لال نهرو لأعمالها العالمية المميزة.
1979: جائزة نوبل للسلام.
1985: الرئيس رونالد ريغان يمنحها "ميدالية الحرية"، أرفع وسام مدني أميركي يمكن ان يحصل عليه إنسان.
1996: الأم تريزا تصير الشخص الرابع في العالم الذي يمنح الجنسية الأميركية الفخرية.
ومن مآثرها أنها لدى تسلمها جائزة نوبل للسلام التي تبلغ مئات الآلاف من الدولارات، ارتدت الساري إياه الذي ترتديه في حياتها العاديةـ والذي يبلغ ثمنه دولارا واحدا. كما أنها طلبت إلغاء العشاء التقليدي الذي تقيمه لجنة جائزة نوبل للفائزين، وطلبت ان تعطى المبلغ لتنفقه على إطعام 400 طفل هندي فقير طوال عام كامل.
لقد توسعت الإرسالية الخيرية التي أنشأتها الأم تريزا، وباتت تضم 570 مركزا لخدمة المرضى والفقراء حول العالم، تتولاها أساسا 4000 راهبة، إلى جانب أخوية تتألف من 300 عضو، إضافة إلى ما يزيد عن مئة ألف متطوع يعملون كلهم في مراكز تتولى العناية بمرضى الإيدز والبرص وسواها من الأمراض المعدية وغير القابلة للشفاء. إضافة إلى إطعام مئات الآلاف من الجائعين والعاجزين، ومراكز للرعاية الاجتماعية ومآوي الأيتام والمدارس.
ولكن صحة الأم تريزا بدأت تتدهور منذ عام 1985. ويعود ذلك في جزء منه إلى عمرها، وفي جزء آخر إلى الأوضاع الصحية للمرضى الذين عملت معهم، والى إنفاقها معظم وقتها في رحلات حول العالم لجمع الأموال والمساعدات من أجل الفقراء، دون ان تصرف وقتا كافيا للعناية بصحتها.
أول تلك الوعكات كانت إصابتها بذبحة قلبية عام 1985 فيما كانت في روما. وأخرى عام 1989 كانت أخطر وكادت تودي بحياتها، ما اضطرها إلى ان تخضع لعملية جراحية جرى خلالها زرع منظم للنبض.
عام 1991 كانت في المكسيك وأصيبت بمرض ذات الرئة فأثر ذلك على عمل القلب.
1996 عانت من مرض الملاريا والتهاب الصدر وخضعت لعملية جراحية في القلب.
في آذار من عام 1997 انتخبت الأخت "نيرمالا" خليفة للأم تريزا في رئاسة الرهبنة. وما لبثت "ملاك الرحمة" ان انتقلت إلى العالم الثاني في شهر أيلول من العام نفسه، منهية بذلك كفاحها من أجل حياة إنسانية أفضل

--------
مايكل دبغي

مايكل دبغي في سطور

1906 ولادة مايكل دبغي في مرجعيون من جنوب لبنان
1908 العائلة تهاجر إلى ولاية لويزيانا في الولايات المتحدة الأميركية.
1909 ـ 1928 مرحلة الدراسة الابتدائية والثانوية.
1928 دخوله كلية الطب في جامعة تولان (نيو أوليانز ـ لويزيانا).
1932 دبغي الطالب يطور "مضخة دائرية" للاستخدام في الجهاز الذي يقوم بعمل القلب والرئتين أثناء العمليات الجراحية.
1937 الدكتور المتخرج يبدأ التدريس في جامعة تولان نفسها.
1942 تعيينه عضوا في مكتب "الجراحة العامة" الأميركية.
1945 منحه جائزة الاستحقاق العظمى لتطويره الوحدات الطبية MASH .
1949 الدكتور دبغي يقود حركة للمطالبة بإنشاء المكتبة الوطنية للطب.
1950 - 1953 تطويره آلة تستخدم في جراحة شرايين القلب.
1953 الدكتور دبغي يقوم بأول جراحة لفتح شريان مسدود.
1956 قيامه بأول عملية جراحية لإصلاح ثقب في القلب.
1959 منحه جائزة الأعمال الطبية المميزة من الجمعية الطبية الأميركية.
1960 دبغي يبدأ العمل على تطوير قلب اصطناعي.
1963 أول من يقوم بعملية جراحية عن طريق الاتصال التلفزيوني.
1964 أول عملية جراحية لتغيير الشرايين التاجية.
1964 تعيينه عميدا للمفوضية الرئاسية لأمراض القلب والسرطان والدماغ.
1966 أول من زرع قلبا اصطناعيا بنجاح.
1968 قام بأول عملية في سلسلة من 12 جراحة لزرع قلب غير اصطناعي.
1969 تعيينه عميدا لمعهد بايلور للطب .
1969 منحة "ميدالية الحرية" بامتياز.
1977 نشر كتابه " القلب الحي".
1978 إنشاء مركز مايكل دبغي للدراسات والأبحاث في "الطب الإحيائي". وهو علم يبحث في قدرة الكائنات البشرية على العيش في المركبات الفضائية وما شابه.
1984 نشر كتابه "تغذية القلب الحي".
1985 إنشاء مركز دبغي لأمراض القلب.
1987 منحه جائزة "العلوم الطبية" الوطنية.
1993 منحه دكتوراه فخرية من جامعة موسكو.
1996 إدراج اسمه بين "مشاهير العاملين في الطب"





من الصعب تعداد سائر صفات وإنجازات الدكتور مايكل دبغي، ولكن أبرزها على الإطلاق ـ باعتقادنا على الأقل ـ حيويته الفائقة، وانكبابه على العمل بزخم يفوق زخم الشباب وهو قد تجاوز التسعين. فهو يقوم (دوريا) من مركزه الطبي بأميركا بندوة "عالمية"، في قاعة مجهزة بكافة وسائل الاتصالات الحديثة، ويجيب عن أسئلة الحاضرين وأسئلة المتصلين بواسطة الهاتف أو الفاكس أو الإنترنت من كافة أنحاء العالم. والموضوع هو بالطبع أمراض القلب وجراحته.
وفي زيارته الأخيرة للبنان منذ مدة غير بعيدة، استضافه برنامج "حوار العمر"، ولدى سؤاله عما يفكر في إنجازه قريبا، قال انه يأسف كثيرا لعدم إتقانه اللغة العربية بسبب هجرته المبكرة جدا. وانه يفكر في تعلم هذه اللغة!!
في مثل عمره، يكون عامة البشر قد تقاعدوا منذ ثلاثين سنة. ولكنه قدر العظماء ان يعملوا حتى آخر لحظة من حياتهم. ومن حسن حظ البشرية ان هذا الطبيب الرائد في مجال جراحة القلب لا يزال نشيطا وعاملا على نقل خبرته وعلمه إلى سواه من الأطباء.
يعتبر مايكل دبغي، رائد الطب الحديث من دون منازع. انه مخترع ومبتكر مبدع، معلم موهوب ومتفان، جراح من الطراز الأول، ورجل عالمي في ما يختص بطب القلب. عمل طوال حياته، ولا يزال يعمل من دون كلل على اكتشاف وسائل جديدة تعتمد التكنولوجيا الحديثة وتستفيد منها لشفاء الأمراض وإنقاذ حياة البشر.
انه يعمل حاليا مع "نازا" (وكالة الفضاء الأميركية) لتطوير قلب اصطناعي صغير مكتف ذاتيا، أي بإمكانه العمل كالقلب الطبيعي لسنوات طويلة. ووسائله الشهيرة في استخدام الطب التلفزيوني عن طريق الأقمار الصناعية لربط المراكز الطبية العالمية بمركزه في هيوستن ـ تكساس لا تزال تحظى بالإعجاب والتقدير.
وهو يشغل أيضا منصب الطبيب الجراح الأول في "المستشفى التطبيقي" ، أكبر أجنحة مركز تكساس الطبي. كما انه عميد معهد بايلور الطبي الرائد في مجال الدراسات والأبحاث الطبية.
ولد مايكل دبغي في مرجعيون (جنوب لبنان) عام 1906، وهاجر مع أهله وهو في الثانية من عمره إلى ولاية لويزيانا في الولايات المتحدة. وهناك تابع دروسه الابتدائية والثانوية في مدارسها المحلية، ثم انتسب إلى كلية الطب في جامعة تولان بمدينة نيو اورلينز في الولاية نفسها. وبعد تخرجه أمضى سنواته التدريبية في "المستشفى الخيري في نيو اورلينز ثم في قسم الجراحة بجامعة ستراسبورغ في باريس وجامعة هيدلبرغ في ألمانيا.
منذ انتسابه إلى الجامعة انخرط مايكل دبغي في الأبحاث والدراسات، واخترع "المضخة الدائرية" (1932) التي صارت فيما بعد جزءا من آلة تقوم بعمل القلب والرئتين أثناء جراحة القلب المفتوح. كما منح أيضا براءة الاختراع لعدد كبير من الأدوات الطبية والتقنيات التي ساهمت في إنقاذ حياة الملايين من البشر في سائر أنحاء العالم.
خلال الحرب العالمية الثانية تطوع الدكتور دبغي للخدمة العسكرية، وعين مديرا لقسم الإرشاد الجراحي التابع لمكتب الجراحة العامة الأميركي. وقد أدت أبحاثه ودراساته في تلك الفترة إلى إنشاء وحدات MASH (المستشفى الجراحي العسكري المتنقل). ثم ساهم لاحقا في إنشاء مراكز جراحية خاصة لمعالجة العسكريين العائدين من الحرب، أي ما عرف فيما بعد "نظام المراكز الطبية للعائدين من الحرب".
لقد اكتسب الدكتور دبغي على مر السنين شهرة واسعة في جميع أنحاء العالم. وكان مستشارا لكافة رؤساء الجمهورية الأميركيين خلال السنوات الخمسين الماضية، وكذلك لرؤساء دول آخرين من سائر أنحاء العالم. كما ساهم في إنشاء "المكتبة الطبية الوطنية" في أميركا، وفيها أهم المراجع والوثائق الطبية وأكثرها دقة وأكاديمية.
وخلال زيارته الأخيرة لروسيا (1996) حيث اشرف على عملية تغيير الشرايين التاجية لرئيسها بوريس يلتسين، كتبت عنه سائر صحف العالم، كما ظهر في جميع وسائل الإعلام. ويقدر عدد عمليات القلب التي أجراها ب 60.000، إضافة إلى تدريبه آلاف الأطباء العاملين الآن في سائر أنحاء العالم. وفي عام 1976 أسس تلاميذه "جمعية مايكل دبغي العالمية للجراحة". كما أطلق اسمه على عدد كبير من المنظمات ومراكز الأبحاث والدراسات، والمشاريع التي أقيمت بهدف خدمة الصحة العامة للبشر من كافة الدول والشعوب.
وقد تلقى الدكتور دبغي أسمى آيات التكريم والتقدير من أرقى معاهد وكليات الطب في العالم وأفضلها سمعة. كذلك كرمته المؤسسات التربوية والمدنية والحكومات المختلفة. وفي عام 1969 نال أعلى وسام يمكن لمواطن أميركي ان يحصل عليه، وهو "الميدالية الرئاسية للحرية بامتياز". كما منحه الرئيس ريغان (1987) "الميدالية الوطنية للعلوم".
وفي العام نفسه كرمه ملك بلجيكا ليوبولد والأميرة ليليان بإزاحة الستار عن تمثال نصفي له . وقالت الأميرة في حفل إزاحة الستار: " لقد أظهر الدكتور دبغي ريادة في مكافحة أمراض شرايين القلب على مستوى العالم كله. وهذا التمثال سيبقى رمزا وأملا وتشجيعا لكل من أتى إلى هذا المكان. ان هذا التمثال انتصب في قاعة من "المستشفى التطبيقي" في هيوستن، ولكن في هذا المكان هناك أيضا الدكتور دبغي نفسه، الذي ينتصب هو أيضا كرمز وأمل وكأسطورة حية".
---------


روبارت مردوخ

الأمبراطورية المردوخية

هنا لائحة بالشركات التي يمتلكها روبارت مردوخ عبر شركته الأم "نيوز كورب" (News Corporation):
1 ـ شبكة فوكس الأميركية للبث التلفزيوني.
2 ـ اثنان وعشرون (22) محطة تلفزيونية في الولايات المتحدة. وهي أكبر مجموعة تلفزيونية، اذ تغطي 40 % من سكان الولايات.
3 ـ أقنية فوكس للأخبار ( على التلفزيون المدفوع).
4 ـ 50 % من أسهم عدة شبكات عالمية للبث بواسطة الكوابل ( cable networks)، منها Fx و FxM و Fox Sports Net . (تحمل شركة TCI's Liberty Media الحصة الباقية من الأسهم).
5 ـ 50% من أسهم شركة فوكس العالمية للأطفال، بما فيه استوديو الانتاج السينمائي وقناة "العائلة" للبث
بواسطة الكابل.
6 ـ ملكية كاملة او لمعظم الأسهم في شركات تقدم خدمات البث بواسطة الأقمار الاصطناعية في أوروبا، الولايات المتحدة، آسيا وأميركا اللاتينية، يبث معظمها تحت شعار (ٍٍSky Broadcasting) .
7 ـ شركة فوكس للقرن العشرين. وهي من أهم شركات انتاج الافلام السينمائية والتلفزيونية واشرطة الفيديو
في العالم، وتمتلك حقوق التوزيع لما يزيد عن 2000فيلم.
8 ـ 132 صحيفة موزعة بين اوستراليا وبريطانيا والولايات المتحدة، ومنها التايمز اللندنية ونيويرك بوست، وتعتبر واحدة من أكبر ثلاث مجموعات صحف في العالم.
9 ـ 25 مجلة، أوسعها انتشارا (TV Guide).
10 ـ شركات لنشر الكتب منها "هاربر كولينز" .
11 ـ نادي لوس انجلوس للبايسبول (Dodgers).
12 ـ 50% من أسهم عدد من نوادي الرغبي ليغ في استراليا.




لا خلاف على ان القرن العشرين فريد بين أقرانه. فهو قرن صعود الشيوعية ثم سقوطها، قرن الحروب العالمية، قرن غزو الفضاء، قرن التكنولوجيا، قرن الثورة في المواصلات والاتصالات السلكية واللاسلكية، قرن الطائرة والصاروخ، وفوق ذلك كله "قرن العجائب والغرائب"، قرن الاستنساب في السياسة والاقتصاد… وحتى الحقوق.
انه القرن الذي كشر فيه الاقتصاد الحر عن أنيابه الحادة وتحول إلى "عولمانية"، خلافا لكل النظريات الاقتصادية، وحتى لواضعي نظرياته نفسها في "اقتصاد السوق" و "المبادرة الفردية". وهكذا رأينا الإمبراطوريات المالية تقوم وتبتلع الشركات الصغيرة محتكرة النشاط الاقتصادي، وجاعلة "المبادرة الفردية" والعدالة والمساواة بين المواطنين خرافة مثل قصص "ألف ليلة وليلة". تصور مقدار "المبادرة الفردية" التي يمكن ان "تتمتع" بها شركة تملك صحيفة واحدة في مقابل شركة تملك 132 صحيفة حول العالم!! وتصور أيضا مقدار "المنافسة" التي هي عماد الاقتصاد الحر، والتي تدرّس في الكليات والجامعات، وتختفي آثارها خارجها، أي في صميم الحياة اليومية. لقد تنبأ كارل ماركس (الذي لم يكن ضد الاقتصاد الحر أساسا، واعتبره افضل الأنظمة الاقتصادية)، بأن مشكلة هذا النوع من الاقتصاد تكمن بأنه ما من حكومة أو قوة في العالم تستطيع تطبيقه بشكل جيد، وأنه بسبب من طبيعته سيتحول في النهاية إلى مجموعة من الاحتكارات الكبيرة، وتصير حكومات العالم الشرطي الذي "يحرس" تلك الشركات. وهذا ما حصل فعلا منذ نهاية الستينات وبداية السبعينات، ويعرف اليوم بـ "العولمة".
وليست صدفة ان روبارت مردوخ بدأ تكوين إمبراطوريته في بداية السبعينات، ففي تلك الفترة بدأت تتكون المعالم السياسية والاقتصادية لما سمي بالنظام العالمي الجديد الذي صار أمرا واقعا بعد نجاحه في إسقاط وتفكيك الاتحاد السوفياتي.
كان مردوخ يساريا ملتزما في مطلع حياته. وكان يضع تمثالا نصفيا للينين في غرفته الخاصة. ولكنه منذ منتصف السبعينات انقلب إلى يميني، دون ان يوضح لأحد أسباب ذلك الانقلاب. أما خطوته الكبرى نحو العولمانية فكانت عام 1985، عندما تخلى عن جنسيته الأسترالية وحصل على الجنسية الأميركية. والواضح ان ذلك كان بسبب القوانين الأميركية التي تحدد تملك الأجانب في الولايات المتحدة.
قبل ذلك كان نشاط مردوخ محصورا في استراليا، حيث امتلك عددا من الصحف منها الديلي ميرور والأستراليان وأنشأ محطة تلفزيون ( القناة 10)، ولكن حصوله على الجنسية الأميركية فتح أبواب العالم كله أمامه. ولكنه يدير معظم أعماله تحت اسم شركة نيوز كوربورايشن (News Corporation ) التي أسسها في استراليا.
تحدثت وسائل الإعلام كثيرا عن هذه الشركة، وصورتها بصورة "الفاتح" الذي يريد ان يدخل إلى كل مكان في العالم. ولعل عبقرية موردوخ تتجلى في هيكلية هذه الشركة بالذات، والتي فاخر مرة، بأنه حتى أكبر موظفيه يختلط عليهم الأمر في فهم بنيتها. إنها مثال على ما ستكون تعليها الشركات العولمانية في القرن الواحد والعشرين. فهي تدير عملياتها في اكثر من ستين بلدا، وتضم ما يقارب 700 شركة تابعة لها. والهدف الأساسي من هذا التعقيد هو بالطبع ضرائبي. وموردوخ هو ـ بامتياز ـ أكبر مستفيد في العالم من قوانين الضرائب.
عام 1996 دفعت "نيوز" 103 ملايين دولار من الضرائب في مختلف بلدان العالم، وكان حجم مداخيلها 1*32 بليون دولار. أي ان نسبة الضريبة الفعلية التي دفعتها كانت 7*8 %، في حين ان شركة ديزني دفعت 28 %، وشركة بارامونت بيكتورز المنافسة لشركة فوكس التي يملكها مردوخ دفعت 22%، ودفعت شركة "تايم ورنر" التي يماثل حجمها حجم "نيوز" نسبة 17%.
والملاحظ ان أسلوب مردوخ في "هيكلة" شركته الضخمة يتجلى في توزيع الأرباح. فالشركات التابعة لـ "نيوز" في البلدان ذات الضرائب المنخفضة، مثل جزر الباهاماس وموريشيوس تحقق أرباحا عالية، في حين ان الشركات العاملة في البلدان ذات الضرائب المرتفعة، كالولايات المتحدة وبريطانيا وأستراليا تحقق الخسائر.
لا تعلن "نيوز" الكثير عن عملياتها. ومن المستحيل الاستناد على أية وثائق رسمية لتحديد أرباح أو عائدات الشركات التابعة لها، حتى الشركات الضخمة مثل فوكس للإنتاج السينمائي أو شبكة فوكس للبث التلفزيوني. وأكثر من ذلك، فان الصورة المالية الكبرى للشركة تزداد غموضا بعمليات معقدة من الإدانة والاستدانة الداخلية ( أي من الشركات التابعة للشركة الأم فيما بينها). وهذا ما دفع جون ريدي، أحد كبار المحللين الاقتصاديين في وول ستريت إلى القول: " ثمة أمر واحد بين الأمور التي لن أحاولها مطلقا وهو إجراء عملية حسابية لمعرفة كيف توصلت شركة "نيوز" إلى تحديد أرباحها".
والحال ان أسلوب مردوخ في تعقيد عمليات شركاته التي تفوق الـ 700،يجعل من شبه المستحيل على أية حكومة ان تحقق في تلك العمليات وأرباحها. و"مكائد" مردوخ في الولايات المتحدة تبقى من الأسرار الغامضة التي يصعب حلها حتى على أولئك المتابعين للشؤون المالية والاقتصادية عن قرب. ولذلك يقول بورتر بيب، أحد كبار المصرفيين وأصحاب الاستثمارات المالية في وسائل الإعلام:" ان "وول ستريت" عاجز عن وضع يده على مردوخ لسباب عديدة. فهو قادر على الاستفادة من كل الأنظمة الاقتصادية. وهو لا يتكلم بمقدار ما ينتظر الناس ان يسمعوا منه، باستثناء مجاراة بعض القواعد البسيطة المطلوبة من منظمي أسواق البورصات العالمية".
وهذا ما تجلى بوضوح في عدم قدرة أية حكومة في العالم على إدانته بما نسب إليه. فبعد اتهامه من الحكومة الإسرائيلية بالتهرب من دفع الضرائب، وجد المعنيون ان من المستحيل إثبات أي شيء ضده، ولذلك اكتفوا بقبول عرضه للتسوية مقابل مبلغ 3 ملايين دولار. وهو عرض قال مردوخ انه قدمه من أجل طي المسالة وعدم التشهير به وليس اعترافا بأنه يتهرب من دفع الضرائب.
يضاف إلى ذلك سلسلة من العلاقات مع عدد من السياسيين والنافذين في العالم، الذين يبقون في حاجة إلى "خدمات" مردوخ الإعلامية. فشركاته الإعلامية تدخل بيوت ما يقارب 75% من سكان العالم، عبر الأقمار الصناعية والتلفزيون والكابل والكتب والجرائد والمجلات.
تبقى الإشارة إلى ان طريقة مردوخ في إدارة شركته جعلته شبه ديكتاتور، أو كما يقول ريتشارد سيربي، زميله في الدراسة ثم مدير إحدى شركاته: ان مجالس إدارة الشركات تجتمع في العادة لاتخاذ القرارات في حين ان مجلس إدارة "نيوز" كورب يجتمع للتصديق على قرارات مردوخ".


----


طــــــه حســـين

مقتطفات

كتبت سوزان طه حسين واصفة لحظة الوداع:
" كنا معا، وحيدين، ولكن قريبين إلى حد يصعب وصفه. لم أكن أبكي ـ الدموع انهمرت بعد ذلك. كنا في مواجهة بعضنا، ومتحدين كما كنا منذ اللحظة التي بدأت فيها رحلة العمر معا.
في لحظة الاتحاد الأخيرة، وفي وسط هذا الشعور العميق بالقرب من بعضنا، تحدثت إليه، مقبلة جبينه العالي النبيل الذي لم تحنه عواصف السنين ولم تشبه شائبة العمر؛ ذلك الجبين الذي لا يزال يشع بالنور.
فانه قبل كل شيء وبعد كل شيء وفوق كل شيء كان صديقي المفضل وكان صديقي الوحيد."

كتب طه حسين في مقدمة أحد كتبه:
"إلى أولئك الذين برّح بهم التوق إلى العدالة. . .
" إلى أولئك الذين نغّص حياتهم الخوف من الظلم. . .
" إلى أولئك الذين يملكون ما لا ينفقون. . .
"إلى أولئك الذين لا يملكون شيئا لينفقوه . . .
" إليهم كلهم أهدي هذا الكتاب.




يعتقد كثير من المفكرين العرب والعالميين ان الدكتور طه حسين يستحق جائزة نوبل للأدب مثل الأديب الكبير نجيب محفوظ، ان لم يكن أكثر. وقد رشح عميد الأدب العربي عدة مرات لنيلها، ولكنه لم يوفق. ولا شك بأنه لو عاش بعد العام 1973 لبات حظه مضاعفا.
لماذا؟؟؟
جائزة نوبل مثل كل شيء آخر في عالم العولمة والعولمانية، مسيسة، شئنا أم أبينا. والعربي الأول الذي فاز بها، كما يذكر الجميع، كان الرئيس السادات، وقد تقاسمها مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن. وبسبب هذا التسييس، لم يكن ممكنا ان ينال الجائزة عربي يعيش في بلد يحكمه عبد الناصر.
ومن جهة أخرى، تعرض عميد الأدب العربي إلى "ظلم ذوي القربى" أيضا، اذ ان أفكاره المتحررة، ونظرته العقلانية إلى الأمور لم تعجب الكثير من القدريين.
ولكن إنجازات الدكتور طه حسين الأدبية والسياسية والإنسانية هي أكبر بكثير من ان يؤثر عليها حرمانه من هذه الجائزة، وأعظم من أي تسييس عولماني أو ديني.
ولد طه حسين (28 تشرين الأول 1889)، السابع بين 13 ولدا، في محافظة المنيا في أعالي مصر، من عائلة تعتبر في أدنى الطبقة المتوسطة بحسب السلم الاجتماعي . وقد أصيب في سن مبكرة جدا بالتهاب بسيط في عينيه كان يمكن ان يشفى منه بسهولة، ولكن الطبيب أخطأ في علاجه، ففقد بصره، وكان ذلك سببا لألم معنوي عانى منه طوال حياته.
منذ صغره أرسله والده إلى الكتّاب حيث تعلم قراءة وكتابة القرآن الكريم. وعندما "ختمه"، أرسل إلى جامعة الأزهر حيث تعلم الدين الإسلامي والأدب العربي. ولكنه شعر بأن أساتذته محافظون وضيقو الأفق بخلاف ما يفترض بالأساتذة الجامعيين ان يكونوا.
عام 1908 سمع طه حسين بإنشاء جامعة غير دينية، بغية تطوير التعليم الوطني في مصر الواقعة تحت الانتداب البريطاني. وقد رغب في الانتساب إلى تلك الجامعة، رغم كونه فقيرا وضريرا. وبالفعل فقد تم قبوله في تلك الجامعة، متخطيا الكثير من الموانع. وقال في مقال نشره في "الأيام" في ما بعد، ان يوم دخوله تلك الجامعة كان اليوم الذي انفتحت فيه أمامه أبواب المعرفة الواسعة. وكان الطالب الأول الذي تخرج من تلك الجامعة حائزا على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي على أطروحته عن "أبي العلاء المعري"، الشاعر والفيلسوف العربي (غير المتدين، حتى لا نقول الملحد) والذي كان هو الآخر ضريرا.
لم يكتف طه حسين بما ناله من تحصيل علمي، ورغب بالمزيد. وقد استطاع ان يتخطى صعوبات جمة مرة أخري، فقبل كواحد من أفراد بعثة جامعية أرسلت إلى فرنسا في مهمة تربوية. وهناك عانى الكثير من عماه، بسبب لا مبالاة أخيه الذي أرسل معه للعناية به، والذي جرفه تيار الحياة الغربية. ولكنه التقى سوزان، "صوته العذب". فكانت تساعده بقراءة المراجع التي يحتاجها ولا تتوفر مكتوبة بطريقة "بريل". وقد صارت فيما بعد زوجته ورفيقته ومساعدته وأم أولاده وحبه الكبير وصديقته الفضلى. وقد قال انه منذ سماعه "صوتها العذب" لم يعرف قلبه الألم.
في فرنسا تخصص طه حسين بالأدب وبالدراسات الكلاسيكية، وكان أول مصري ، والعضو الوحيد في البعثة، الذي حصل على الإجازة من جامعة مونبلييه، ثم الدكتوراه من جامعة السوربون. وكانت أطروحته لشهادة الدكتوراه عن ابن خلدون، المؤرخ ومؤسس علم الاجتماع.
ومنذ ذلك الحين بدأت رحلة طه حسين، كعميد للنهضة الأدبية العربية. وكانت فلسفته تتلخص بالحفاظ على الثقافة الإسلامية والعربية وباعتماد الوسائل الغربية في التفكير. وصار داعية للفكر التحرري، وترجم إلى العربية الكثير من المؤلفات الهامة.
قبل طه حسين كانت اللغة العربية مجمدة داخل قوالب، صعبة التطوير، وبعيدة عن إدراك عامة الناس. ولكن كتاباته كانت سهلة، واضحة ومفهومة، مع الحفاظ على قواعد اللغة، واستخدام وسائل التعبير والمفردات بأقصى طاقاتها. وقد دعا إلى تطوير اللغة بشكل يساهم في تحقيق الوحدة العربية، مشيرا إلى انه إذا لم يحصل ذلك فان البلدان العربية ستعاني ما كانت تعانيه البلدان الأوروبية في ذلك الحين من شعور بالعزلة بسبب اختلاف اللغات فيما بينها.
آمن طه حسين بثورة تموز ت يوليو 1952، بالوحدة العربية وبالإصلاح الاجتماعي. وقد حارب بضراوة من اجل التعليم المجاني في مصر، مؤكدا "ان المعرفة مثل الماء والهواء"، وأنها حق طبيعي لكل كائن بشري. وكان هذا شرطه لقبول منصب وزير التربية عام 1950. وبالفعل فقد أعلنت الحكومة الجديدة إلزامية ومجانية التعليم الابتدائي للجميع. وهي سياسة ما تزال متبعة حتى اليوم، حيث يدين الملايين من المصريين بالفضل في تعليمهم لطه حسين.
وكانت ابنته أمينة من أوائل النساء اللواتي تخرجن من الجامعة. وقد قامت مع أخيها مؤنس بترجمة كتاب والدها الشهير "أديب" إلى الفرنسية.
عاش طه حسين حياة مليئة بالصراعات السياسية والاجتماعية والشخصية، وقد عرضها في كتابه "الأيام". و بعد وفاته أكملها صهره محمد الزيات في كتاب "ما بعد الأيام".
يمكن تقسيم أعمال طه حسين إلى ثلاثة أنواع رئيسية: دراسات علمية في الأدب العربي والتاريخ الإسلامي؛ كتابات أدبية ذات منحى اجتماعي يرتكز على محاربة الفقر والجهل؛ والمقالات السياسية التي كتبها في الصحف التي تولى رئاسة تحريرها بعد فصله من مركزه كأستاذ الأدب العربي الكلاسيكي في جامعة القاهرة. وكان فصله نتيجة الضجة التي أثارها كتابه عن "الشعر الجاهلي" (1926)، والذي كان تعبيرا حيا عن أسلوبه العصري والعلمي في مقاربة الموضوع، بخلاف الأسلوب السلفي الذي كان منتشرا في ذلك الحين.
أما أعماله الأدبية فقد عبرت عن حساسية مفرطة ورؤية سليمة وحب عميق. ودعوته إلى العدالة والمساواة نبعت من فهم عميق وسليم للدين الإسلامي.
كان على طه حسين ان يتحمل هجوم المحافظين وان يواجه المعادين لإصلاحاته. ولكن ما خفف عنه ذلك كان إعجاب طلابه وزملائه به. وخلال حياته تلقى من التقدير ما لم يحظ غيره به. فقد انتخب عضوا في اكثر من أكاديمية عربية، وكرمته مؤسسات دولية كثيرة. حتى ان الجامعة الأميركية في القاهرة تحدت قرارا لرئيس الوزراء المصري صدقي إسماعيل بمنع طه حسين من التدريس في الجامعات العاملة على الأرض المصرية، وتعاقدت معه للتدريس فيها. وصارت قاعة "ايوارت هال" في الثلاثينات مقصد المئات من المصريين وغير المصريين الراغبين في الاستماع إلى طه حسين "عميد الأدب العربي".
منح طه حسين أكثر من دكتوراه فخرية من جامعات عالمية فرنسية وبريطانية وإسبانية وإيطالية. وقد منحه الرئيس جمال عبد الناصر أرفع وسام مصري، هو مخصص أساسا لرؤساء الدول. وفي عام 1973 منحته الأمم المتحدة "جائزة حقوق الإنسان".
توفي طه حسين في تشرين الأول 1973 بعد ان شهد الانتصار المصري الذي تحقق بعبور قناة السويس واستعادة قسم من سيناء.


---------

مارتن لوثر كينغ

مارتن لوثر كينغ في سطور

1929 ولادة مارتن لوثر كينغ في 15 كانون الثاني.
1935 ـ 1944 فترة من الدراسة الابتدائية والثانوية.
1947 التخرج من معهد اللاهوت.
1948 رسامة كينغ كاهنا مساعدا لوالده.
1953 زواجه من كوريتا سكوت .
1954 الحكم الشهير بأن التمييز العنصري في المدارس غير دستوري.
1955ـ 1956 أزمة الباصات وصدور حكم آخر بالمساواة بين الركاب السود والبيض.
1957 صدور تشريعات عن الكونغرس أدت إلى انشاء
مفوضية للحقوق المدنية.
1958 صدور كتاب "خطوات نحو الحرية: قصة مدينة
مونتغومري".
1959 الذهاب إلى الهند لدراسة أساليب غاندي في اللاعنف.
1960 العودة إلى أتلانتا.
1961 "الركاب الأحرار" وصدور حكم بأن التمييز في
الباصات التي تنقل المسافرين عبر الولايات هو مخالف
للدستور.
1964 كينغ يحصل على جائزة نوبل للسلام، واغتيال "مالكوم X ".
1965 ـ 1967 فترة من الاضطرابات واعمال الشغب ضد السود، خصوصا من منظمة "كوكس كلان " ومثيلاتها.
1968 اغتيال كينغ في مامفيس.




ما من شك في ان البشر قد مارسوا التمييز العنصري منذ "اجتماعهم" في كيانات سياسية مختلطة. والعرق الأسود كان أكثر من تعرض أفراده لهذا التمييز عبر العصور. ولكن القرن العشرين شهد حالتين من التمييز العنصري "الرسمي"، أي "المقونن"، الولايات المتحدة الأميركية وجنوب أفريقيا.
لقد تحدثنا في حلقة سابقة عن نيلسون مانديلا الذي أنهى قوننة التمييز العنصري في أفريقيا الجنوبية، وسنتحدث في هذه الحلقة عن الدكتور مارتن لوثر كينغ، الكاهن المعمداني الذي لعب دورا مهما في إلغاء قوننة التمييز العنصري في الولايات المتحدة، ودفع حياته ثمنا لذلك.
ولد مارتن لوثر جونيور في 15 كانون الثاني 1929 في مدينة أتلانتا بولاية جورجيا وكان والده، مارتن لوثر (سينيور) كاهنا. عام 1935 دخل المدرسة وتلقى دروسه الابتدائية والثانوية حتى عام 1944، حيث نجح في امتحان الدخول إلى معهد اللاهوت في اتلانتا قبل ان ينهي دراسته الثانوية. وفي عام 1947 تخرج من ذلك المعهد متخصصا بالوعظ، فيما تابع دروسا في علم الاجتماع، وعيّن مساعدا لوالده الكاهن التابع للكنيسة المعمدانية في أتلانتا. وفي 25 شباط من العام التالي (1948) تمت سيامته كاهنا. وفي حزيران حصل على شهادة الاختصاص في علم الاجتماع.
عاش مارتن لوثر كينغ حياة شبه هادئة في الفترة التالية، وتزوج من كوروتا سكوت في مدينة ماريون بولاية ألاباما (1953).
في 17 أيار 1954 حقق السود "انتصارا" هاما عندما حكمت المحكمة العليا بأن التمييز العنصري ضد الطلاب السود في المدارس الرسمية هو أمر غير دستوري، وكانت تلك الخطوة الأولى في مسيرة الألف ميل.
في 31 تشرين الأول 1954 عين مارتن لوثر الأب ابنه كاهنا في مدينة مونتغومري في ألاباما التي شهدت في العام التالي ما عرف ب "أزمة الباصات". فقد جاء في قوانين ولاية ألاباما انه لا يحق للسود الجلوس في الأماكن التي يجلس فيها البيض في الباصات. وفي الأول من كانون الأول 1955 رفضت امرأة سوداء ان تتخلى عن مقعدها في أحد الباصات لرجل أبيض فاعتقلتها الشرطة.
اجتمعت كافة الحركات المناهضة للتمييز العنصري في المدينة في اليوم نفسه وانتخب أعضاؤها بالإجماع مارتن لوثر كينغ رئيسا لتجمعهم الذي أطلقوا عليه اسم " جمعية تطوير مونتغومري". وقرروا رفع الدعوى لاثبات عدم دستورية قوانين التمييز العنصري في الباصات. فردت الشركة بأن أوقفت رحلاتها إلى الأحياء ذات الغالبية السوداء.
تعرض كينغ لحملة مضايقات من رجال الشرطة بسبب نشاطاته المناهضة للعنصرية، وقد اعتقل مرة وأوقف لقيادته سيارته بسرعة 30 ميلا في منطقة حددت السرعة القصوى فيها ب 25 ميلا في الساعة. كما تعرض لأعمال عنف من أشخاص عنصريين، ورميت قنبلة على منزله.
في 4 حزيران 1956 حكمت المحكمة بأن التمييز العنصري في الباصات هو أمر غير دستوري، وقبل نهاية ذلك العام صار يحق للسود الجلوس في مكان واحد مع البيض.
تابع مارتن لوثر كينغ ورفاقه نضالهم من اجل الحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة، وراحوا يحرزون الانتصار تلو الانتصار. ففي 9 ايلول 1957 وافق الكونغرس على مشروع قانون الحقوق المدنية وكان من نتيجة ذلك انشاء مفوضية الحقوق المدنية كهيئة مستقلة، وانشاء دائرة للحقوق المدنية تابعة لوزارة العدل.
ومن جهة أخرى تابعت الشرطة مضايقاتها لكينغ، فادعى عليه أحد أفرادها بتهمة "عدم الامتثال"، وحكمت عليه المحكمة (4 ايلول 1958) بغرامة مالية، رفض دفعها، ولكن مدير الشرطة قام بذلك رغم معارضة كينغ، في محاولة منه لاظهار عدم التحيز ضد المناضلين من اجل الحقوق المدنية. وبعد أيام ظهر كتاب كينغ الشهير "خطوة نحو الحرية: قصة مدينة مونتغومري".
في السنة التالية (1959) قام كينغ مع زوجته بزيارة إلى الهند حيث امضيا فترة في دراسة أساليب غاندي في اللاعنف. وبعد عودته (1960) انتقل مجددا إلى مدينة اتلانتا حيث عمل مع والده في إدارة الكنيسة المعمدانية هناك. ولكن مذكرة توقيف صدرت بحقه بتهمة تزوير المستندات الضرائبية لعامي 1956 و1958 فاعتقل وحوكم وظهرت براءته من التهم الموجهة إليه. كما ادعي عليه بتهمة الجلوس في مكان عام لا يحق للسود الجلوس فيه واعتقل وسجن (1960).
شهد عام 1961 تشكيل مجموعة "الركاب الأحرار" الذين أعلنوا عن عزمهم على ركوب الباصات التي تنقل الركاب فيما بين الولايات والتي كانت مشمولة بقوانين التمييز العنصري. فأصدرت المحكمة العليا حكما بان التمييز العنصري في الباصات التي تعبر الولايات غير دستوري (أيار 1961). وهكذا قامت المجموعة الأولى من "الركاب الأحرار" باستخدام الباص الذي ينقل الركاب من واشنطن إلى ولاية الميسيسيبي.غير ان جماعات من المتعصبين العنصريين هاجمت الباص وأحرقته في ألاباما. كما قامت مجموعات أخرى بالاعتداء بالضرب على الركاب الذين استقلوا باصا آخر لمتابعة الرحلة في بيرمنغهام. وفي النهاية قامت الشرطة باعتقالهم عند وصولهم إلى مدينة جاكسون في الميسيسيبي وامضوا ما بين 40 و 60 يوما قيد الاعتقال.
في السنوات التالية (1962 ـ 1963) تعرض كينغ للمزيد من حملات المضايقة والاعتقال بتهم تافهة لا تستوجب في العادة التوقيف أو السجن. ولكن مع بداية العام 1964 بدأت أعمال الشغب تتكاثر في مختلف أنحاء البلاد وخصوصا مع ازدياد أعمال العنف التي ارتكبها العنصريون من أعضاء منظمة "كوكس كلان" ومثيلاتها، وراح الضحايا من السود يسقطون في هارلم ونيوجرسي وايلينوا وبنسلفانيا.
في 10 كانون الاول 1964 نال كينغ جائزة نوبل للسلام، اعترافا بجهوده الحثيثة لمنح السود حقوقهم المدنية باستخدام الوسائل السلمية.
عام 1965 شهد انتصارا آخر حين وقع الرئيس نيكسون القانون الذي يمنح السود حق الاقتراع في الانتخابات ، ولكنه شهد أيضا اغتيال المناضل الأسود المعروف باسم "مالكوم X".
تابع العنصريون البيض أعمال الشغب لإرهاب السود وثنيهم عم مطالبتهم بحقوقهم. فكانوا يتصدون للمظاهرات السلمية التي يقوم بها هؤلاء، والتي صارت مختلطة باشتراك الكثير من المعتدلين البيض فيها.
وكان أسوأ أعمال الشغب ما حصل في مدينة ديترويت بين 23 و30 تموز 1967 وحصد أكثر من 43 قتيلا و 324 جريحا. مما دفع الزعماء السود مارتن لوثر كينغ وفيليب راندولف وروي ويلكينز وويتني يونغ إلى توجيه نداء بوقف أعمال العنف.
في شهر نيسان 1968 وأثناء جولة لمارتن لوثر كينغ في مدينة مامفيس، وفيما كان يخطب في الجماهير المحتشدة أمام الفندق الذي كان مقيما فيه، أطلق عليه قناص النار فأصابه في عنقه، ثم توفي في المستشفى بعد ساعات قليلة، منهيا بذلك حياة مليئة بالكفاح والنضال من أجل الحقوق المدنية.
من المؤكد ان التمييز العنصري هو شأن يتعلق بالنفوس قبل النصوص. وما من أحد يستطيع إلغاءه بالكامل من الحياة اليومية للبشر. ولكن المؤكد أيضا ان مارتن لوثر كينغ كان صاحب الدور الأكبر والأساسي في إزالته من النصوص، ومنع قوننته.


----------

هـو شـي منــه

هو شي منه في سطور

1890 ولادة هو شي منه في فيتنام.
1911 ذهابه إلى فرنسا للعمل.
1914 - 1918 تنقله بين لندن والولايات المتحدة خلال الحرب العالمية الأولى.
1920 اشتراكه في تأسيس الحزب الشيوعي الفرنسي.
1922 دعوته إلى موسكو للقيام بنشاطات لمصلحة الحركة الشيوعية العالمية، وذهابه إلى الصين مع وفد بولشفي في زيارة خاصة.
1925 ـ 1927 تكليفه بمهمات حزبية في الصين وجنوب شرق آسيا، منها مساعدة الحزب الشيوعي الصيني وتأسيس الحزب الشيوعي الفيتنامي.
1930 ـ 1940 متابعة مهماته في جنوب شرق آسيا واعتقاله لفترة قصيرة في هونغ كونغ (1931).
1941 احتلال اليابان لفيتنام وذهابه إلى هناك لتنظيم حركة المقاومة للاحتلال.
1945 إعلانه استقلال فيتنام. وقيام فرنسا بإعادة احتلالها.
1946 بدء الحرب ضد الاحتلال الفرنسي.
1954 هزيمة فرنسا في معركة "ديان بيان فو".
1956 تأييد أميركا لفيتنام الجنوبية في رفض إجراء انتخابات نيابية .
1961 بداية التدخل العسكري الأميركي بعد معاهدة دفاع مشترك مع فيتنام الجنوبية، ومقاومته بقيادة هو شي
منه على رأس مجموعات من الفيتكونغ.
1969 وفاة هو شي منه دون التمتع بمشهد هزيمة الأميركيين الكاملة.




ثلاث هزائم ثقيلة لحقت بالولايات المتحدة في هذا القرن. الأولى كانت معركة بيرل هاربور الشهيرة خلال الحرب العالمية الثانية، التي استخدم فيها الطيارون اليابانيون "الهيراكيري". وقد ردت عليها الولايات المتحدة باستخدام القنابل الذرية للمرة الأولى في التاريخ. والثانية كانت انسحابها من فيتنام بعد خسارة ما يقارب الخمسين ألفا من جنودها، وسقوط فيتنام الجنوبية في قبضة الفيتكونغ الشماليين بقيادة هو شي منه. أما الثالثة فكانت تدمير مركز المارينز في بيروت والذي راح ضحيته، بلمحة بصر، حوالي 300 جندي وضابط. ومن بعدها امتنعت أميركا عن التدخل البري، رغم عدم امتناعها عن اللعب بمصائر الشعوب ومحاربة كل من تعتبره عدوا لها، بسبب أو من دون سبب، مكتفية باستخدام قواتها الجوية للتدمير والقتل والتهجير كما فعلت ضد يوغوسلافيا مؤخرا.
ولكن الذي لا شك فيه ان "حرب فيتنام" قد أثرت على المجتمع الأميركي أكثر بكثير من أي مسالة أخرى في هذا القرن. فعدا عن ضحاياها الذين بلغوا خمسين ألفا كما ذكرنا، والمعاناة النفسية لعائلاتهم وأصدقائهم، فان الذين حاربوا هناك وبقوا أحياء، لم يعودوا إلى وطنهم "سالمين". ولا يزال الكثير منهم يعانون حتى الآن من أمراض نفسية وكوابيس، مما دفع علماء النفس إلى إطلاق اسم "مرض فيتنام" على حالتهم.
ناهيك عن المشاكل الأخرى التي سببتها تلك الحرب بسبب امتناع الكثيرين عن أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، وبالتالي محاكمتهم وسجنهم أو فرض غرامات مالية باهظة ضدهم، ومنهم كما يذكر الجميع الملاكم العالمي كاسيوس كلاي، الذي اعتنق الإسلام احتجاجا على الحرب ودعا نفسه "محمد علي".
فمن هو القائد الفيتنامي الذي الحق بالأميركيين هذه الهزيمة التي لا يزالون يدفعون ثمنها، نفسيا واجتماعيا، حتى الآن؟
انه الزعيم الوطني هو شي منه، رئيس جمهورية فيتنام الشمالية من 1954 إلى 1969.
ولد نغوين تات تان (الذي اتخذ اسم هو شي منه ومعناه "المنير") سنة 1890، ولا يعرف الكثير عن طفولته، سوى انه غادر فيتنام إلى فرنسا عام 1911 وعمل على متن سفينة فرنسية. ثم غادر إلى لندن والولايات المتحدة الأميركية خلال الحرب العالمية الأولى. ثم عاد إلى فرنسا عام 1920 حيث انتسب إلى الحزب الاشتراكي الفرنسي ثم عمل مع أكثرية أعضاء الحزب على ضم الحزب إلى "الشيوعية الدولية"، وبعد وقت قصير صار اسمه الحزب الشيوعي الفرنسي.
غادر هو شي منه إلى موسكو وصار عضوا في الحركة الشيوعية العالمية، وهناك تلقى دروسا في التكتيك الثوري ثم اصطحب الوفد البولشفي الذي زار الصين، ومن هناك عاد إلى فيتنام حيث أسس (1924) حركة للشبيبة الفيتنامية، وعهد بإدارتها إلى مجموعة من أعضائها، فيما كان هو يتابع الإرشاد والتوجيه من مقر إقامته في الصين كموفد للحركة الشيوعية العالمية . وبقي يعمل مع الحزب الشيوعي الصيني ومجموعات الشبيبة الفيتنامية التي تحولت فيما بعد إلى نواة الحزب الشيوعي الفيتنامي، حتى عودته إلى موسكو عام 1927.
أمضى هو شي منه فترة الثلاثينات ما بين الصين والاتحاد السوفياتي، وقد ألقي القبض عليه لفترة قصيرة في مستعمرة هونغ كونغ (1931)، حيث ظن رفاقه الفيتناميين انه قد توفي. إلا انه في الواقع عاد إلى موسكو حيث تابع نشاطاته مع الحركة الشيوعية العالمية.
كانت فيتنام مستعمرة فرنسية، ولكن اليابان احتلتها خلال الحرب العالمية الثانية. فعاد هو شي منه إليها حيث عمل على تأسيس حركة استقلالية فيتنامية وأسس جيشا قام بحرب عصابات ضد المحتلين.
بعد انتهاء الحرب وهزيمة اليابان أعلن هو شي منه إنشاء الجمهورية الفيتنامية المستقلة ووافق على ان تكون عضوا في "الاتحاد الفرنسي" الذي يضم المستعمرات الفرنسية السابقة. ولكن فرنسا كانت لم تكن راغبة في منح فيتنام استقلالها، فعادت إليها بجيوشها بعد انتهاء الحرب. ولكن هو شي منه قاوم إعادة الاحتلال ونشبت معارك عديدة بين الطرفين طوال ما يقارب 10 سنوات، وانتهت بهزيمة واضحة للفرنسيين في معركة "ديان بيان فو" (1954).
بعد مؤتمر جنيف (1954) الذي قسم فيتنام إلى شمالية وجنوبية، انتخب هو شي منه كأول رئيس لجمهورية فيتنام الشمالية. وقد نصت المعاهدة التي وقعت هناك على إجراء انتخابات عامة في البلاد عام 1956 أملا في توحيد البلاد مجددا، على أساس ان يتولى الحزب الذي يفوز في الانتخابات حكم البلاد كلها.
ولكن الولايات المتحدة كانت قد دخلت على الخط، داعمة سلطات فيتنام الجنوبية التي رفضت إجراء الانتخابات في حينه بحجة ان شعبية هو شي منه ونجاحه المؤكد في الانتخابات يعنيان حكم البلاد من قبل "الشيوعيين".
عمل هو شي منه على تقوية جبهته الداخلية في الشمال وعلى إنشاء جيش تحرير في الجنوب أطلق عليه اسم "فيتكونغ" لمقاومة الحكومة الجنوبية المدعومة منم الولايات المتحدة. وقد دامت الحرب ما يقارب 20 سنة، ولم تدخلها الولايات المتحدة فعليا إلا عام 1961، وبعد توقيع معاهدة أمن وتعاون بين الولايات المتحدة فيتنام الجنوبية. وهكذا بدأت القوات الأميركية تتدفق إلى فيتنام وبلغ عددها في بعض المراحل 550*000 عسكري 01969.
كانت مقاومة الفيتناميين شديدة وباسلة، وقد دفع الأميركيون ثمنا باهظا في الأرواح والمعدات. ولكنهم ردوا على ذلك بالغارات الجوية على المدن والقرى وبارتكاب المجازر دون ان يتمكنوا من تحقيق انتصار واضح. وقد أدى ذلك إلى تألب الرأي العام الأميركي ضد التدخل في فيتنام وقيام مظاهرات عارمة في المدن والجامعات والمدارس في جميع المدن، إضافة إلى تهرب المواطنين الأميركيين من أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، خشية إرسالهم إلى فيتنام. كل ذلك دفع الحكومة الأميركية إلى القبول ببدء إجراء ما عرف بـ "مؤتمر باريس"، وكان الوفد الأميركي برئاسة السياسي الشهير هنري كيسنجر الذي صار وزيرا للخارجية فيما بعد.
لم يعش هو شي منه ليرى انتصار الفيتكونغ على الأميركيين وإعادة توحيد فيتنام، فقد توفي عام 1969، أي قبل أربع سنوات من انسحاب الأميركيين، ولكنه كان من دون شك الرجل الذي أسس لهذا الانتصار وقاد شعبه إليه لسنوات طويلة قبل وفاته. وقد كرمته بلاده بإطلاق اسمه على عاصمتها.

----


أنطون سعاده

"الزعيم" في سطور

1904 ولادة أنطون خليل سعاده في بلدة الشوير (1 آذار)
1919 انتقاله مع اخوته إلى الولايات المتحدة حيث بقوا في ضيافة عمه في نيو مكسيكو.
1291 الوصول إلى البرازيل حيث يقيم الوالد خليل سعادة.
1921 - 1923 أنطون سعاده يكتب في جريدة والده "الجريدة" ثم يساعده في إصدار مجلة "المجلة".
1926 سعادة يؤسس "حزب السوريين الأحرار".
1927 سعادة يدرس اللغة العربية وآدابها في الكليةالسورية ـ البرازيلية.
1930 مغادرة البرازيل إلى دمشق والكتابة في عدة صحف دمشقية، ثم نشر كتابين في بيروت.
1932 تأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي.
1935 ـ 1936 اعتقال سعاده ومحاكمته وسجنه لمدة ستة
أشهر قضاها في إنهاء كتابة "نشوء الأمم".
1936 اعتقاله مجددا وسجنه وكتابة "تعاليم الحزب السوري القومي الاجتماعي.
1937 اعتقاله للمرة الثالثة وتوجيه مذكرة إلى عصبة الأمم
ضد تقسيم فلسطين.
1938 قيام السلطات الفرنسية بحملات اعتقال واسعة ومغادرة سعادة إلى البرازيل عن طريق أوروبا.
1939 ـ 1941 انتقال سعادة إلى الأرجنتين وزواجه من جولييت المر، ثم حصوله على إقامة دائمة.
1942 ـ 1947 فترة مضطربة للحزب مع السلطات الفرنسية، ثم السماح له بالنشاط السياسي تحت اسم "الحزب القومي"، فيما سعاده يصدر جريدة "الزوبعة" ويكتب فيها أهم مقالاته.
1947 العودة إلى الوطن.
1948 تنظيم سلسلة محاضرات في النادي الثقافي التابع للحزب في بيروت، وقد جمعت فيما بعد في كتاب "
المحاضرات العشر".
1949 إعلان الثورة القومية الاجتماعية واعتقال سعاده ومحاكمته ثم إعدامه (8 تموز).




لو قدر للحزب السوري القومي الاجتماعي ان يتولى الحكم في إحدى دول "الهلال الخصيب" لتغيرت أمور كثيرة، ولكانت كتابة تاريخ هذه المنطقة من العالم على غير ما هي عليه بالتأكيد.
لقد انتشرت مبادئ الحزب، خصوصا في لبنان وسوريا، بشكل ملفت للنظر، وفي الوقت نفسه تعرض الحزب لحروب متواصلة ومن كافة الأنظمة والعهود. ولذلك نجد انه كان الحزب الثاني في لبنان من حيث عدد الأعضاء بعد حزب الكتائب في الستينات، ولكنه بالكاد أوصل نائبا واحدا إلى المجلس النيابي، هو المرحوم أسد الأشقر.
مشكلة الحزب انه حزب علماني نشأ في زمن الانتداب الفرنسي على لبنان وسوريا. والانتداب كان يعمل سرا وعلنا على تنمية الطائفية والمذهبية باعتبارهما السبيل الوحيد للامساك بالبلدين.
أوليس غريبا ان تطلق تسميات في بلاد "الشام" من نوع جبال العلويين وجبل الدروز ووادي النصارى، في الوقت الذي كان فيه الوطنيون من كل الطوائف والمذاهب يحاربون الاستعمار؟؟
لقد دفع الحزب السوري القومي الاجتماعي ثمنا كبيرا لمبادئه العلمانية القومية، ولكن أغلاها، دون شك، كان اعتقال ومحاكمة زعيمه أنطون سعاده ثم إعدامه قبل تنفيذ الحكم نفسه بستة من رفاقه في شهر تموز 1948.
ولد أنطون خليل سعاده في بلدة الشوير (الأول من آذار 1904) من قضاء المتن الشمالي في لبنان. وهناك نشأ وترعرع حتى بلغ الخامسة عشرة من عمره، حيث سافر مع أفراد عائلته للالتحاق بوالدهم في العالم الجديد. وقد وصلوا إلى مارسيليا أولا وقضوا فترة قصيرة، ثم غادروا إلى الولايات المتحدة، فاستقبلهم عمهم في نيويورك ثم ارتحلوا جميعا إلى نيو مكسيكو، وبقوا هنا حتى السابع من شباط 1921 حين وصلوا إلى البرازيل حيث يقيم والدهم.
كان سعاده منذ نشأته مولعا بالمسائل الفكرية والتاريخية والوطنية، وقد تابع الأحداث التي كانت تحصل منذ اتفاق سايكس بيكو أثناء الحرب العالمية الأولى ووعد بلفور ودخول القوات البريطانية إلى القدس، ثم القوات البريطانية ـ العربية المشتركة إلى دمشق، وما تلا ذلك من تسليم لبنان وسوريا إلى الانتداب الفرنسي ثم معاهدة سان ريمو التي سمحت لبريطانيا بالقيام بدور أساسي في سوريا. ولكن أكثر ما أثر فيه في ذلك الوقت تصرفات الاستعمار التي أدت إلى تفتيت "الهلال الخصيب" بإعلان دولة لبنان الكبير ثم تقسيم سوريا إلى مقاطعتين ( دمشق وحلب) وسلخ أراض من "سورية الطبيعية" وتسليمها إلى تركيا (كيليكيا أولا ثم لواء الاسكندرون فيما بعد، في ما بدا جليا انه مؤامرة، لأنها ربما المرة الأولى في التاريخ التي تعطى فيها لدولة مهزومة في الحرب أراض لا حق لها فيها ولا يتكلم سكانها لغتها ولا يمارسون عاداتها.
وفي 4 حزيران 1921 كتب سعاده مقاله الأول من سلسلة مقالات في جريدة "الجريدة" ودارت كلها حول الشأن القومي. وتابع ذلك في العام التالي. إلى ان قرر والده إعادة إصدار مجلة "المجلة" (1923)، فكان خير معين له في تحريرها ونشرها.
عام 1926 أسس سعاده "حزب السوريين الأحرار" الذي بقي ناشطا في معارضة الحكم الفرنسي حتى عام 1928. وقد لفتت نشاطات الحزب نظر السفير الفرنسي في البرازيل فرفع تقريرا إلى وزارة الخارجية الفرنسية بان أنطون سعاده قد أرسل بيانات إلى قداسة البابا والى عصبة الأمم ضد الانتداب الفرنسي وان نسخا عن تلك البيانات قد وزعت في أميركا الجنوبية.
في تلك الفترة كان سعادة يقوم بتدريس اللغة العربية والآداب في الكلية السورية ـ البرازيلية في ساو باولو فيما كان يتعلم اللغة الروسية. وتابع ذلك حتى عودته إلى سوريا سنة 1930. وهناك كتب في ثلاث صحف دمشقية كما نشر كتابين في بيروت.
عام 1932 انتقل سعاده إلى بيروت وقام بتدريس اللغة الألمانية في الجامعة الأميركية. وبحلول خريف 1932 أعلن تأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي ثم عمل على وضع دستور له فانجزه في 21 تشرين الثاني 1934، وهي السنة التي توفي فيها والده الدكتور خليل سعاده.
في الأول من حزيران عقد الحزب أول اجتماع رسمي له كهيئة انتخابية في مكان سري في بيروت. ولكن السلطات الفرنسية علمت بنشاطات الحزب فاعتقلت زعيمه في 16 تشرين الثاني بتهمة تأسيس منظمة سياسية سرية، وحوكم مع عدد من رفاقه، ثم صدر حكم بسجنه مدة ستة اشهر، صرفها في إتمام كتابه "نشوء الأمم".
أعيد اعتقاله في 26 حزيران 1936، فكتب "تعاليم الحزب السوري القومي الاجتماعي". وبعد الإفراج عنه في 12 تشرين الثاني عمل على إعداد مذكرة إلى عصبة الأمم حول مسالة لواء الاسكندرون. وفي مطلع العام التالي (1937) أرسل كتابا إلى المفوض السامي الفرنسي مبديا استعداد الحزب للدفاع عن لواء الاسكندرون ضد الاعتداءات التركية. ولكن الفرنسيين لم يكونوا حتى في وارد الاستماع إلى مثل هذه الرغبات، وتابعوا حملاتهم ضد الحزب، فافتعلوا حادثا لتعطيل الاحتفال بذكرى مولد سعاده في الأول من آذار، مما أدى إلى حصول اشتباكات والى اعتقال سعاده وعدد من رفاقه مجددا.
بعد الإفراج عنهم بدأت تتوضح خطورة ما كان يجري في فلسطين آنذاك. فارسل سعاده باسم الحزب السوري القومي الاجتماعي مذكرة إلى عصبة الأمم معارضا تقسيم فلسطين، وقد تبين لاحقا ان سعاده كان مصيبا في توقعاته.
في 14 تشرين الثاني 1937 اصدر الحزب جريدة "النهضة"، ولكن العام التالي (1938) شهد حملة واسعة ضد الحزب شملت لبنان والشام وكان من نتيجتها اعتقال ومحاكمة العديد من أعضاء الحزب في حمص ودمشق وحلب وسواها من المدن السورية واللبنانية، إضافة إلى إغلاق "النهضة" لمدة أسبوع. ولكن ذلك العام شهد أيضا إصدار الطبعة الأولى من كتاب "نشوء الأمم" في بيروت، في ذكرى ميلاد سعاده ( الأول من آذار). بعد ذلك قام الزعيم بجولة شملت بلدان الاغتراب التي يتواجد فيها "سوريون"، وقد بدأها بقبرص ثم أوروبا وأميركا إلى ان وصل إلى البرازيل.
في تلك الأثناء بدأ الفرنسيون حملة اعتقالات واسعة ضد أعضاء الحزب أوقفوا إصدار "النهضة" إلى اجل غير مسمى. وبحلول العام 1939 سلموا لواء الاسكندرون نهائيا إلى تركيا. وقبل نهاية العام كان معظم المسؤولين في الحزب السوري القومي الاجتماعي رهن الاعتقال. ولكن سعاده تابع نشاطاته من البرازيل والأرجنتين، فأصدر صحيفة "سوريا الجديدة"(1939) من ساو باولو و صحيفة "الزوبعة"(1940) من بيونس ايرس.
في نيسان 1940 تزوج انطون سعادة من جولييت المر، وحصل على إقامة دائمة في الأرجنتين. في ذلك الوقت كانت السلطات الفرنسية تفرج عن كبار المسؤولين في الحزب الذي بقي ممنوعا. ولكن في العام 1944 سمحت السلطة بأن يقوم أفراد الحزب بنشاطات سياسية تحت اسم "الحزب القومي". وبحلول العام 1946 كان سعاده قد أعاد اتصالاته مع قياديي الحزب في لبنان وسوريا. إلى ان عاد إلى بيروت في الثاني من آذار 1947.وكان لبنان قد نال استقلاله آنذاك.
بعد يومين من وصوله وجه سعاده كتابا إلى مفوض الشرطة بشان الاتهامات العديدة ضد الحزب، وبعد يومين آخرين وجه بيانا إلى اللبنانيين متحديا تهديدات الحكومة باعتقاله إذا قام بنشاط سياسي. وبدأت الأوضاع تتفاقم عندما دعا الحزب أعضاءه ومناصريه إلى مهرجان خطابي في بيروت بمناسبة ذكرى وعد بلفور(2 تشرين الثاني). فقد منعت الحكومة التظاهر وهددت بآراء اعتقالات شاملة، مما دعا سعاده إلى إلغاء المهرجان والاستعاضة عنه ببيان شامل مكتوب استعرض فيه تاريخ المسالة الفلسطينية، منبها إلى ان فلسطين سوف تضيع إذا لم تتخذ إجراءات حاسمة في مقابل ما كان يجري آنذاك. وبالفعل فبعد أيام قليلة وافق أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة على مشروع تقسيم فلسطين، مما أدى لاحقا (14 أيار 1948) إلى إعلان قيام دولة إسرائيل.
وفي تلك السنة نظم النادي الثقافي التابع سلسلة من المحاضرات التي ألقاها سعاده، ثم جمعت فيما بعد في كتاب "المحاضرات العشر".
بقي العداء مستحكما بين الحكومة اللبنانية والحزب . وفي شهر حزيران 1949، وعلى أثر ما يعرف بـ "حادث الجميزة"، وما تلاه من إعلان الثورة القومية الاجتماعية (4 تموز)، قامت السلطات باعتقال سعاده وعدد من رفاقه. وبعد محاكمة سريعة جدا صدر الحكم بالإعدام ضدهم جميعا.
وبالفعل فقد أعدم سعادة بعد أربعة أيام (8 تموز) فيما أعدم رفاقه في 22 تموز 1949 .




وان شاء الله يحوز موضوعي على اعجابكم
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 28th December 2003, 11:27 PM
 
فتى الشوتوكان
عضو IJKA
عضو هيئة الرقابة
  فتى الشوتوكان غير متواجد حالياً
تاريخ التسجيل: October Oct 2002
الدولة: نابلس(جبل النار)/فلسطين(أرض الرباط)
المشاركات: 1,809
مجهوووووووووووود طيب ورائع منك اخي .
بارك الله فيك ..
رد مع اقتباس

مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة

الإنتقال السريع

الساعة الآن 02:23 AM
| إبعث لنا برسالة | أخبر صديقك عنا  | الصفحة الرئيسية |
.:: جميع الحقوق محفوظة 1435هـ 2014 م - كاراتيه العرب ::.

.:: Developed & Maintained by : digital Film ::.
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2014 vBulletin Solutions, Inc. All rights reserved.
Translate By Almuhajir